مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

07 حريزي - فصل في الفصل

الجزء ٨ · صفحة ١١٨

أو إلى المدائن التي هي في شمال الكوفة، وليست في الجنوب بالبصرة، أي أن البصريين لم يشاركوا كثيرا في حرب صفين، ولا في المعارضة مع المحكمة، عتاب علي - رضي الله عنه - للأحنف بن قيس بقعوده في البصرة يؤيد هذا الاستنباط، وذلك ما يدعم قعود عبد الله بن إباض وعدم مشاركته مع المحكمة في المعارضة، ومحاربة علي - رضي الله عنه -.

والاستنباط الثالث: إن كانت الأرقام المذكورة في هذه الفقرات صحيحة تمثل الواقع فإننا نحكم على أن المشاركين في الحروب أفكارهم هشة، بسهولة يمكن تسييسها وتمييلها للوجهة المرغوبة، فلاحظ مثلا أنهم نزلوا بحروراء أول مرة اثنا عشر ألفا، وبعد تأمينهم ذهبوا إلى مدنهم وبقي أربعة آلاف، وحسب إحصائيات المبرد رجع منهم ألفان من حروراء، أما إحصائيات ابن الأثير بقي مع ابن وهب الراسبي (2800)، أي لم يقتل من أهل النهروان إلا ثلاثمائة، فعلى الرغم من اضطراب هذه الأرقام فإن الباقي مع ابن وهب 800 من اثنا عشر ألف فإن لها دلالة الهشاشة في الاعتقاد، وسهولة غسل الأدمغة بالحرب النفسية، والإيحاء بموتهم حتما باستعمال كلمة: «فهو آمن»، والإيماء بأن المدن آمن لهم وأرحم من الحروب الطاحن، وكلمة: «لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم» تحمل كثيرا من الرحمة عليهم، والسعي لحماية دمائهم بدل سفكها وهدرها في الأمور التافهة.

ومما يدعم هذا الاستنباط ما أورد ابن الأثير على لسان فروة بن نوفل الأشجعي (د. ت) قال: "فقال فروة بن نوفل الأشجعي: والله ما أدري على أي شيء نقاتل عليا؟ أرى أن أنصرف حتى تتضح لي بصيرتي في قتاله أو أتابعه، فانصرف في خمسمائة فارس حتى نزل البندنيجين والدسكرة، وخرجت طائفة أخرى متفرقين، فنزلوا الكوفة، وخرج إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة ألاف، فبقي مع عبد الله بن وهب ألف وثمانمائة، فزحفوا إلى علي" (الكامل/ ج3/ ص: 174) لاحظ الفرق بين (2800) و (1800).

ومن هنا تأتي ضرورة نسبة فرقة إلى أصلها الأول، فالمحكمة هم محكمة وليسوا خوارج، والحروريون هم حروريون وليسوا خوارج، وأهل النهروان هم أهل النهر وليسوا خوارج، وهم كلهم كوفيون كانوا علويين، وابن إباض

١١٨ / ٣١٤