02 ناصر - إصلاح الأنفس بالقرآن
الجزء ٣ · صفحة ١٤المتعال عالم بكل ما يُسَرّ من القول وما يجهر به وما هو مستخف بالليل ومتحرك بالنهار ثم يقول أنه وحده الكفيل بحفظ عباده بما سخره لهم من الملائكة الحافظين من بين أيديهم ومن خلفهم حيث يقول: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾ (الرعد/11).
فالسياق الذي وردت فيه الآية الكريمة واضحة الدلالة على قدرته تعالى في تسيير ملكوته بعلمه المحيط بكل شيء دقيقه وجليله، وعلمه الشامل الكامل بما في الأجنة واطلاعه الذي لا ينقطع على الغائب عن المشاهد ودرايته بمصير جميع الأناس أحياء وأمواتا أكانوا في البر أم البحر أو في أجواف الحيوانات.
وذكر في هذا الصدد وسيلة إثبات المعلومات وخزائن المعارف والوقائع لمواجهة علمه الكفار عند الحساب مع علمه تعالى الدائم قبل حدوثه وبعد حدوثه وأنه سخر لذلك ملائكته الذين لا يعصون الله فيما أمرهم به وجعلهم معقبات قبل حدوث عمل الإنسان وبعده يتعاقبون على حراسته بالليل والنهار حفظا وتدوينا بالكتابة وغيرها من الوسائل التي يعلمها الله وحده، فالعناية الربانية تشمل عباده بما يسخره لهم من ملائكة ينفذون أوامره ولا يعصونه في شيء، ولكنه من جانب آخر منتقم جبار ممن يكفر بآلائه ونعمائه، فكيف يكفر الكفرة أو ينكرون قدرة الله على الإحياء بعد الإماتة؟ وهنا يحذرهم بأن الله عادل لا يظلم أحدا وأنه من سنته التي جرى عليها الكون منذ خليقته ألا يغير ما بقوم من نعمة إلى نقمة إلا بعد صدور النكران والكفران منهم وأن انتقامه ذاك إذا جاء لا يحول دونه حائل ولا يرد حدوثه راد.
وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا، فلابد من وقفة متأنية مع الآية الكريمة من سورة الأنفال حيث يؤكد معنى انتقام الله من الكفرة وأنه لا يغير ما بهم من نعمة إلى نقمة إلا بحدوث الكفران منهم ويجيء التعبير والسياق ليؤكد هذا المعنى بوضوح وجلاء لا لبس فيه ولا ريب حيث يقول تعالى في معرض الحديث عن كفار قريش في وقعة بدر وهزيمتهم النكراء وأن ذلك هو مصيرهم الدنيوي ولعذاب الآخرة أشد، وأنهم يشبهون في هذا المصير آل فرعون وكل الذين كفروا بأنعم الله