02 ناصر - إصلاح الأنفس بالقرآن
الجزء ٣ · صفحة ١٥من الأمم السابقة فكان جزاءهم أن أخذهم الله أخذا شديدا بذنوبهم وعاقبهم عقابا أليما في الدنيا والآخرة، وما كان الله ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليبدلوا الكفر بالإيمان والجهل بالعلم والضلال بالهدى، والرشاد بالبغي يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)﴾ الأنفال الآيات (50 - 53).
وذلك هو مصير الأمم الكافرة كآل فرعون وغيرهم فكان جزاءهم أن أزال الله عنهم تلك النعم التي كانوا يتفيأون ظلالها، وما كان الله ليظلم أحدا من عباده ما ساروا على سنته إيمانا به وشكرا لنعمائه وامتثالا لأوامره واجتنابا لنواهيه، لكنهم إن غيروا وبدلوا غير الله عليهم وبدل، والله قوي شديد العقاب.
فالمعنى العام الذي تقصد إليه الآية في سورة الرعد وفي سورة الأنفال تغيير حال الكفار من نعمة إلى نقمة، وليس العكس وهو ما يقصد إليه أغلب أولئك الذي يستشهدون بهذه الآية الكريمة دون النظر في سياقها العام، وبما أن القرآن يفسر بعضه بعضا كما يقال فهو مليء بهذه المواقف التي انتقم الله فيها على مر القرون من أقوام كفروا بنعمائه فاستحقوا سخطه ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾، وقصص القرآن يصب أغلبه في هذا الاتجاه قصة قوم نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وقوم فرعون.
وقد استخدم القرآن كلمة أخرى وهي التبديل التي لها المقصد الذي تحمله كلمة التغيير نفسه كما جاء ذلك في حديثه عن مصير قوم سبأ حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾ سبأ (15، 17).
وهذا ما يتماشى مع المنهج الرباني ومع سنته في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.