08 حمدي- فقه المال العام عند الإباضية الحلقة 3
الجزء ٩ · صفحة ١٣٢عياله غلته ويفضل عنده، لم يكن مستغنيا، وجاز له أخذ الزكاة».
يعلق الشيخ على هذه الأقوال مبديا رأيه في المسألة بقوله: «وليس عندي للغنى والفقر حد لأنه قد يستغني بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته بوجوه المكاسب، والآخر لا يستغني بأضعاف ذلك لأنه قليل الحيل كثير الخوف». ثم يحدد المعيار مسترشدا بالاستغناء الذي حدده النبيء - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ليس الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» فإذا كان الرجل مستغنيا بصنعته يكتسب بها بيديه لم يستحق من الصدقة شيئا، لاستحقاق الغنى المسقط للزكاة.
إن موضوع تحديد حد الغنى يتحدد طرحه كل حين وآن، ففي هذا العصر الذي تغيرت فيها حاجات الناس وتنوعت، فأصبح الفقير في جيل ما هو الغني في جيل آخر، فأصبح من العسير تحديد حد الغنى، فإذا ذهبنا مع رأي القائلين بأن حد الغنى هو امتلاك المركب والمسكن وقوت المعاش، لكن ما هي نوعية المركب والمسكن، وما هو مقدار المعيشة المحدد للغنى؟ وأرى أن العرف له جانب من الاعتبار، كما أن للسلطة دور في هذا التحديد، من خلال الأجر القاعدي الذي تضعه بناء على اعتبارات اقتصادية واجتماعية. وعلى هذا فالشيخ وضع معيارا عاما، هو صالح لكل زمان ومكان وهو الاستغناء، ويبقى تحديده يخضع للظروف والعرف والسلطة.
ثانيا: مسألة الرّكاز:
الرّكاز مصدر من مصادر تمويل بيت المال، فقد خصه الفقهاء بالبحث والتأصيل، إلا أنه لم ينل ما نالته بقية المصادر الأخرى، لكونه أخذ مفهوما ضيقا من جهة ومن جهة أخرى لمحدودية المعادن في العصور الأولى.
لقد أخذ معنيان أحدهما أنه كنوز الجاهلية، أي ما يجده المرء من كنوز مدفونة في الأرض من العصور القديمة، وهو مفهوم أهل الحجاز، وإليه يميل الإباضية ومنهم ابن بركة، والمعنى الثاني وهو المعادن وهو مفهوم أهل العراق، يقول الشيخ: «وأما ما أوجبه النبيء - صلى الله عليه وسلم - وجاءت به الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الرّكاز الخمس». قال