مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

02 ناصر - إصلاح الأنفس بالقرآن

الجزء ٣ · صفحة ١٦

ومع ذلك فإن الإنسان كفور، كثيرا ما يكفر بنعم الله ويتجرأ على آلائه وقدرته، وعندها يكون الله له بالمرصاد مبينا مزيد علمه وفضله وعدله فلا عقاب بدون جريمة ولا انتقام بدون تعد لحدود الله ولا زوال لنعمة حتى يكون الكفران بالمنعم فتأتي الآية صريحة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وتلك سنة الله في خلقه منذ بدأت الخليقة إلى قيام الساعة.

فإن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية فيزيلها عنهم، وينتقم منهم إلا بعد تغيير ما بأنفسهم بأن يكون منهم الظلم والمعاصي والفساد وارتكاب الشرور والآثام التي تهدد وتدمر كيان الأمم، وقد أوضح حديث رسول الله هذا المفهوم القرآني بوضوح وجلاء حيث قال عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب» وهذا مصداق لقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال/25)، ويقول الرازي في التفسير الكبير معقبا على معنى الآية:

« … فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بعد أن يكون منهم المعاصي والفساد، قال القاضي والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر عن العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنيا ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء فالمراد من ذكره الله تعالى التغيير بالظلال والعقاب»(1).

ويقول الشيخ الشعراوي مؤكدا هذا المعنى الذي ذهب إليه الرازي هكذا نعلم أن الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له قبل أن يولد كل ذلك لم يرجع عنه الله مادام الإنسان يمشي على صراط مستقيم، لكن إذا ما حاد الإنسان عن الصراط المستقيم يلفته الله ببعض العبر والعظات ليعود إليه والتغيير الذي يجربه الله على البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم يشمل الإمدادات الفرعية، أما الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء .. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن

(1) - التفسير الكبير الجزء 19، ص22.

١٥ / ٣١٤