مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

10 خواجة - مقياس علم الاجتماع الإسلامي

الجزء ١١ · صفحة ١٤٥

وقد شهد هذا التذبذب بين الاتجاهين المتطرّفين عدّة أشكال تتقيد خاصة بالظروف التاريخية والآليات التي تجمع بين العالمين في لحظات تاريخية معيّنة، فقد تجلّت في أقصى صور الرفض خلال الفترة الاستعمارية، لكنّها سرعانما تنفست الصعداء مع حركات التحرّر في العالم العربي وتحوّل الحذر بين الطرفين والترقب إلى التقاربية والحنينية أمام "عقدة أوديب" جديدة بين الأب المستعمِر وأبنائه المستعمَرين. وقد تبنت أغلبية الحكومات العربية النموذج الاشتراكي الماركسي كرد فعل شرطي وأوتوماتيكي أو حتّى انتقامي من الأب المحتلّ هروباً نحو الأم الحنون على الأقل في خطاباتها السياسية. لكن انهيار الأم أعاد صورة الأب في شكله الأقوى والأحسن، وبقيت المرجعية دوماً "للغرب" تحت ظرفية سياسية واقتصادية جديدة نَوّمت مغناطيسياً شعوب الكون وأدخلتها في وهم خيالي يسمى "العولمة"، وبقيت حركات الرفض مشتّتة هنا وهناك دون أن تجد قنوات رسمية للتعبير عن رأيها.

أخذت حركات الرفض في العالم العربي عدّة مرجعيات قاعدية للدفاع عن خطابها سواء كانت هذه الأسس القاعدية "أثنية" كالدفاع عن القومية العربية أو الانتماء البربري أو الكردي أو غيرها، أو ذات بعد سياسية كالنضالية الحزبية أو الانتمائية السياسية، أو ذات قاعدة "تيولوجية" سواء كان منطلقها التراثية أو الحداثة، ويعتبر هذا الأساس الأخير من أكثر الأسس المحرّكة للفكر الاجتماعي رفضاً أو تأثيراً في حركة التاريخ.

أطروحة الرفض الديني للفكر الغربي تبلورت في حركات متعدّدة وصل بعضها إلى المستوى المسلح والإقصاء الجسدي للآخر، لكن أغلبها عرف صوراً أخرى مختلفة بعيداً عن الطرح الجهادي المسلح وإن كان يندرج دوماً في إطار النضالية، وقد توسّعت مجالات تسرب الرفضية حتّى انتقلت إلى المجال العلمي والفكري في أطروحة جديدة لم تكن تُعرف من قبل تسمى "أسلمة المعرفة" أو "إسلامية المعرفة"، والتي تدعو إلى إعادة النظر في الأسس الإيديولوجية

١٤٦ / ٣١٤