مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

02 ناصر - إصلاح الأنفس بالقرآن

الجزء ٣ · صفحة ٢٢

اجتباهم واختارهم لهذه الخاصية فيهم وإن الذين يرثون الأرض ويمكنهم الله بها عباد صالحون، وحكم بذلك في كتبه المنزلة حيث قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾ الأنبياء/105. وسواء أكان المراد بكلمة الأرض الدنيا أم أرض الجنة في الآخرة على اختلاف بين المفسرين فإن ذلك يزيد قيمة وسموًا ورفعة لمعنى كلمة (الصلاح).

ثالثا: ربط الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الإصلاح العملي أي العمل الصالح مهما يكن نوعه بالعمل القلبي فربطه بالإيمان فقال ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48)﴾ الأنعام/48، وبالتقوى فقال مخاطبا بني آدم جميعهم ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)﴾ الأعراف/35.

وربطه بالتوبة النصوح والإنابة الحقيقية إلى الله حتى ولو كان صاحب التوبة منافقا قبل توبته ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)﴾ النساء/146، ألا توحي هذه المكانة العظيمة إلى أن العمل الصالح المرتبط بالعقيدة الصحيحة هو الأساس لقبول الأعمال الأخرى وأن العقيدة وحدها لا تكفي دون عمل صالح يبتغى من وراءه إصلاح النفس وإصلاح الغير ليعم الصلاح المجتمع المؤمن كله ويحظى بالتالي برضى رب العالمين، ولذا أيضا جعله أساسا للمجتمع المؤمن حين التعامل بين أفراده في كل حالاته السلمية والحربية فقال ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الأنفال/1، وقوله أيضًا: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ .... ﴾ (الآية).

وللمكانة العظيمة للإصلاح والمصالحة جعلها الله أساسا لكل خير في الأوقات العصيبة فتكررت كلمة فأصلحوا ثلاث مرات حيث يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ الحجرات (9 - 10)، فنلحظ هنا أن الإصلاح حاضر في كل مستويات حالات الإسلام حين

٢١ / ٣١٤