15 الحاج امحمد - في الذكرى العشرين لرحيل شيخ الشباب
الجزء ١٦ · صفحة ٢٢٨كان (رحمه الله) رغم ضعف بنيته يحمل في جنباته نفساً قوية، وروحاً عالية، وحيوية متقدة، متفتحا يتقبل الكثير من الأفكار التي يطرحها عليه الشباب والطلبة على الخصوص حين يستقبلهم، ويغتنم الفرص المتاحة ليقدّم لهم شروحاً وتعاليق على العادات والتقاليد المحلية، وتحليلات عن الفن المعماري المحلي وغيره، مع تبيان لكثير من ملامحه وأسراره. ولم تكن لقاءاته تقتصر على الجزائريين على اختلاف مشاربهم ومناطقهم بل كان الكثير من الأجانب يحظى بالاستقبال والاهتمام كذلك، ليرجعوا مندهشين حقًّا من سعة اطلاعه ورحابة صدره.
ومن الطريف في هذا الصدد ما وقع له مع أحد الطلبة الأجانب.
فقد كان في أحد الأيام ذاهباً من منزله متجهاً إلى أحد الدكاكين ليأتي بالخبز لفطور الصباح، وفي طريقه التقى بوفد من الطلبة الأجانب صحبة عدد من الجزائريين كانوا قاصدين بيته لتبادل أطراف الحديث معه نظراً لسمعته الذائعة الصيت لديهم، فرجاهم الانتظار ودعاهم لمشاركته فطوره، فكان لهم الحديث معه كما أرادوا.
وأثناء المحادثة لاحظ أنَّ أحد الأجانب يكثر الابتسام وكأنَّه استخف بالشيخ، فهمس في أذن أحد المرافقين فأخبره باللهجة المحلية أنَّه أمريكي. وشيئاً فشيئا عرَّج الشيخ على الوضع في أمريكا، وبالتحديد حول قضية ''واتر?ايت'' التي هزَّت الولايات المتحدة بفضيحتها هزاً عنيفاً، وأرغمت رئيسها ''نيكسون'' على الاستقالة. ولما سأل الشيخ الطالب الأمريكي عنها، أجاب بصراحة وبساطة أنّه لا يعلم عنها كثيراً. هنالك انبرى الشيخ في سرد كلِّ جزئياتها من الدواعي إلى مسلسل الأحداث وتداعياتها في دقة أبقت الطالب في ذهول وصمت رهيب، وأذهبت عنه كلَّ ابتسامة بل وصار مشدوهًا.
وعند مغادرته الشيخ، لم يتمالك الطالب أن صرح لمرافقيه الجزائريين قائلا: «إنّها لعمري لسخرية الأقدار، أنا الأمريكي الذي لا يعرف الجزائر بل ولا يعطيها القيمة التي هي أهل لها، تكتب لي الأقدار أن أزورها وأذهب إلى صحرائها بعيداً