مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

19 وثيقة العدد

الجزء ٢٠ · صفحة ٢٨٣

المقدس، هذا هو الذي فقدته الدنيا اليوم، والدنيا اليوم كلها نفاق، أعلى الناس درجة في السياسة أشدُّهم نفاقا، والأربعة أو الخمسة العظام التي تسبح الدنيا بحمدهم، هؤلاء كلهم ينافق بعضهم بعضا، ويعلم كلُّ منهم أن الآخر ينافقه، ليس واحد منهم إلا ويحتال للآخر ويلعب به، وما الحياة الدنيا إلاَّ لعب ولهو، أنا كلما قرأت هذه الآية إلا وذكرت هذه النكتة، ومؤتمرات الدنيا وهيآتها كلهُّا نفاق في نفاق إلا من رحم ربك.

نعم إن الحياة فقدت الصفاء والحب ففقدت روعتها وقيمتها، وأصلُ كل شيء الحب المتبادل، ولقد ابتلينا نحن كذلك بهذا المرض، فقد ذهبت جلسات الصفاء التي يتناسى الإخوان والأصدقاء فيها المادة وكل ما يَمُتُّ إلى المادة بصلة، ذهبت تلك الجلسات التي كانوا لا يتبادلون فيها إلا القيم الروحية بأخلاقهم وطيب محضرهم، ولطف حديثهم، طغت المادة على كل الميادين فأفسدت على الناس حياتهم، وكان ينبغي أن يترفع الناس عنها، إنه من الجنون أن يقول قائل: إن العصر عصر مادة، ولا قيمة إلاَّ للمادة، لا ليست السعادة بالدرهم ولا بالدينار؛ ولكن بالمحبة والصفاء، هذه المحبة التي تجمع الناس حول غرض واحد وتؤلف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، إن كل مجتمع يكون مبنيا على تبادل المنافع يكون مآله الاضمحلال والفناء، أما إذا كان مبنيا على أساس من الأخلاق والقيم الروحية فإنه يضمن لنفسه الحياة والرقي.

لهذا أريد من جمعية القدماء أن تعمل في أي ميدان شاءت؛ ولكن بشرط أن تبثَّ في نفوس أعضائها هذا الصفاء، وهذا الحب، وأن تمكنه فيهم، أريد منها أن تعمل في هذا السبيل وتدعو إليه بكل الوسائل، أريد منها أن تهيء لنا دعاة إلى الأخلاق الفاضلة، وإلى المعاني السامية التي هي بهجة هذه الحياة وزينتها.

٢٨٣ / ٣١٤