23 بوحجام - محمد عاشق السواد
الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٥(س و د) فأقصر عن اللّوم والنّقد يا قاصر الفهم.
سمع بأنّ النّاس تعوّدوا وصف العراق ببلاد السّواد، يسأل عن سبب التّسمية، فيجاب بأنّ ذلك يرجع إلى كون العراق بلادًا يكثر فيها النّخل، بل إنّ أغلب نخيل العالم موجود فيه. فقال: ألا يستحقّ السّواد الاحتفاء والتّقدير لكونه يمثّل البركة والطّيبة، اللّتين تحملهما النّخلة، وهي الشّجرة الطّيّبة التي يكون أصلها في الأرض ثابتًا، وفرعها في السّماء ممتدًا، تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها؟ فالسّواد رمز الأصالة والثّبات والنّماء، وأصل الخير والفضل والعطاء.
قرأ أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم نبّه المسلم إلى الرّضا بالقليل، والقناعة باليسير، وعدم تحقير ما يقدّم له من طعام، مهما يكن بسيطًا، بل إنّ فيما يسخّره الله لعبده البركة والغنية والكفاية، ألا يعلم ما يعطي وما يقدّم وما يمنح وهو اللّطيف الخبير؟ أليس هو المقدّم والمؤخّر، وهو على كلّ شيء قدير؟ فعبّر الرّسول - عليه السلام - عن هذا بقوله: من تعشّى بالأسودين، وقال ما تعشّيتُ، لا عشّاه الله. فغلّب في التّعبير اللّونَ الأسود على اللّون الأبيض. وهو يقصد التّمر والماء. فما قال ذلك إلاّ لأنّ اللّّون الأسود رفيع القدر. فاعتبروا يا أولى الأبصار والنّظر!
وَعَى مفهوم الوحدة، وقيمة الوجهة، وحقيقة التّقديس والعبودية للّّه، وواجب الخضوع لربّ العزّة والجلالة، استوعب كلّ ذلك من رمز القبلة، التي أمر الله تبارك وتعالى عباده أن يتّجهوا إليها في كلّ صلاة، وأن يتوجّهوا إليها في أيّام الحجّ، ويطوفوا بها خاشعين ذاكرين، حامدين قانتين متبتّلين مستغفرين، عنوان هذا الولاء وهذا الحبّ تقبيل حجر أسود، جاثم في جدار كعبة تتزيّا وتتزيّن لزوّارها والمتعلّقين بها بزيّ أسود، يجدّدونه كلّ سنة بأموال باهضة، وأثمان طائلة. فهي حسناء من يطلبها يصبر على البذل، وينشط في الزّيارة. أليس في الصّنيع دلالة على مكانة السّواد؟؟ لقد أنفَ أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب من تقبيل حجر أسود أصمّ لا يتحرّك، فاستدرك لمّا تذكّر مفهوم التّعظيم، وحقيقة التّقدير، فقال: لولا أنّي رأيت رسول الله - عليه السلام - قبّلك والله ما قبّلتك. فعمر