23 بوحجام - محمد عاشق السواد
الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٦بن الخطّاب رغمَ أنفََهُ عظمةُ الحجر الأسود، التي أكتسبها من تقبيل رسول الأمّة له. أليس في هذا السّواد عظمة وقدر وجلال؟
قرأ عن سير كثير من العظماء والكبراء والرّوّاد، واطّلع عن بطولاتهم وإنجازاتهم ومواقفهم … وعلم أنّ كثيرًا منهم كانوا سودَ البشرة. فقال: إذن إنّ وراء العظمة سوادًا، يدفع إلى تسجيل المكارم، وبناء العظائم. فآدم كما يقال أسودُ البشرة، وهو أبو البشر، وقد تناسلت البشرية وانحدرت كلّها منه، ألا يكون السّواد هو الأصل؟؟ ولقمان الحكيم، وبلال بن رباح مؤذّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأوّل من ارتفع فوق الكعبة، ورفع عليها أوّل آذانٍ بالله أكبر لانتصار الإيمان، ودحر الكفر. وعنترة بن شدّاد، البطل الذي قهر قوّةَ الأبطال، وغدا أسطورة في الشّجاعة والشّدّة والنّزال. وأبو عبيدة مسلم بن أبي كرمة، واضع قواعد بناء صرح الفكر الإباضي. وأبو فراس الحمداني شاعر الحماسة والبطولة، وربّ السّيف والقلم، وصنو المتنبّي في فحولة الشّعر، وغيرهم … كلّهم كانوا سودَ البشرة. ألا يحقّ للأستاذ أن يقدّر هذا السّوادَ الذي صنع له رجالاً عظامًا، وأفذاذًا كرامًا، يتّخذهم مثلاّ ونموذجًا له، يجتهد في التّشبّه بهم، عساه يكون مثلهم:
وتشّبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنّ التّشبُّه بالكرام فلاح
إنّ السّواد باعث على التّحدّي والمثابرة. فالسّجن المظلم المتلفّح بالسّواد، يحرّك العزائم، ويقضي على الميوعة والفسولة والتّخاذل والسّخائم. فهذا الشّاعر مفدي زكرياء يرى في ظلمة السّجن إغراءً للانطلاق في النّضال والنّزال والتّحدّي، والجهاد في منازلة فرنسا التي رمت به في سواد السّجن. إنّ سواد السّجن يصنع منه رجلا أشدّ مقارعة وأقوى مقاومة لها، هو القائل: "وظلمة السّجن تغريني فأنطلق"
والشّيخ أبو اليقظان يرى في سواد السّجن مبعث القيم والفضائل، التي تبني كيانات الرّجال الأشاوس، وتؤسّس قواعد بناء النّفوس الكبيرة، الني تمقت الذّلّ والهوان، وترفض الخنوع والخضوع والرّكوع. فيوجّه