مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

23 بوحجام - محمد عاشق السواد

الجزء ٢٤ · صفحة ٣٠٧

قصيدة للشّيخ عبد العزيز الثّعالبي، يهنّئه فيها بدخوله السّجن؛ لأنّه قام بواجبه في الدّفاع عن القيم والمبادئ، يكون عنوانها: "السّجن مجمرة تفوح فيها قيم الرّجال".

ألا بشفع لصاحبنا عشق السّواد والتّعلّق به، والدّفاع عنه، ليكتسب هذه القيم، ويظفر بهذه المكارم؟ افهموه أيّها النّاس، ولا تعذلوه، وكونوا معه في هذا الميل .. واعذروه.

تمسّك الرّجلُ بالسّواد؛ لأنّه وجده طريقًا صلبًا للحصول على الرّغبات، ونيل المطالب. إذ بعد اشتداد الأزمة، تنفرج الغمّة. وبعد تراكم الظّلام وطول اللّيل البهيم، يأتي الضّياءُ، وينبلج الصّبح، ويكون الفجر. فيكون السّواد مقدّمة بين يدي البياض. ألم يقل امرؤ القيس: " ألا أيّها اللّيلُ الطّويل، ألا انجلٍ بصُبحٍ … "

وإذا قال أبو فراس الحمداني:

سيذكرني قومي إذا جدّ جدّهم

وفي اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر

فهذا دليل على أنّ النّاس يتعلّقون البياض حين يشتدّ السّواد، وينتظرون الضّياءّ حين يستحكم الظّلامُ. ألا يكون السّواد مقدّمة لبزوغ البياض؟ بمعنى ألا يكون بزوغ البياض أكثر متعة وروعة ويهجة حين يأتي بعد ظلام دامس، وسواد قاتم؟ إنّ في ذلك لآية لمن يعقل ويفقه ويتفكّر ويعي …

ألا يكون للسّواد فضل ومكرمة على النّاس، إذ أنّه يخفي الأشياء الثّمينة، وينأى بها أن تكون مبتذلة بعرضها على كلّ النّاس مكشوفة غير مستورة؟؟ فالله تبارك تعالى أمر المرأة أن تتحجّب وتتستّر عن أنظار النّاس، حتّى لا يبتذل رواؤُها، ولا يذلّ دلالها، ولا تكون عرضة للإهانة. كما أنّه سبحانه عزّ وجلّ بشّر المؤمنين بإحدى جوائز يوم القيامة؛ ثوابًا لهم على وفائهم بعهدهم معه، وهي الحور العين المقصورة في الخيام، والمستورة المصونة كاللّؤلؤ المكنون .. الذي يصون هذه الجائزة، ويعلى من قدرها هو السّواد. فلينظر المرء في هذا الأمر، وليتأمّل في هذه الحكمة البالغة.

صاحبنا المغرم بالكتابة، الغائص في البحث، يرى في سواد المداد، وسواد الصّحف فضلا كبيرًا، وقوّة جبّارةً؛ لأنّه ينتج ثمارًا طيّبة، ويثمر غلالاً يانعة، فالقلم يحرّك الفكر، والمداد

٣٠٦ / ٣١٤