04 الوزناجي - خصائص تفسير الشيخ بيوض
الجزء ٥ · صفحة ٤٣والمكتوب، مما جعلها ميزة خاصة فيه، أظن والله أعلم أن الغرض من استئناسه بها حرصه على إيضاح المعنى لكافة الطبقات خاصة العامة منها، وهذه الأمثال هي أقرب ما تكون إلى واقع المجتمعات إذ أن موردها هو المجتمع، ومضربها في مقامها مناسب، فاستغل الشيخ الحالة المشتركة بين المورد والمضرب فذكرها مستشهدا بها، وقد أكثر المفسر من الاستئناس بالأمثال العامية؛ لأنها بلهجة العامة وقريبة من واقعهم مما يجعلها أكثر استيعابا لديهم، كاستئناسه بالمثل العامي القائل: "دَاقُدْ ايُمُورَان وَلا َدَاقُدْ اِمُودَان" عند تفسير قول الله تعالى: ژ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا … ژ(1).
فعندما عالج قضية أرذل العمر قال: « … هذا هو أرذل العمر الذي كان يستعيذ منه النبي –صلى الله عليه وسلم- نعم يتمنى المرء أن يكبر في طاعة الله مادام في صحته وعقله، إما أن يبلغ أرذل العمر فلقاء الله خير، وإن كان المثل الميزابي بقول: "داقد إموران ولا داقد إمودان" يعني تحت الجدران ولا تحت الصفائح (صفائح القبر)، ولكن الحقيقة هناك من يقول العكس، تحت الحجارة ولا تحت الجدران، فماذا نرجوه من الحياة في مثل هذا العمر؟ اسأل ربك تعالى أن يأخذك إليه راضيا عنك وأنت راض عنه(2).
3 - مراعاة دلالة النص بالنسبة للسامعين:
المراد بها أن المفسر ما لمس في النص القرآني المفسر علاقة بظاهرة تخص فئة بعينها في المجتمع فإنه يتوجه إليها بالخطاب مباشرة مراعيا دلالة هذا النص على هذه الظاهرة، ليستغل هذا النص الفاعل في إصلاح وتغيير العقل السائد، منبها إلى قضية علمية أو اجتماعية أو سلوكية أو دينية، ويلفت انتباه هذه الفئة بالذات إلى هذه المسألة:
*- كخطابه فئة الطلبة للتنبيه على قضية علمية في قوله: " .... الطلبة بالخصوص"- يقصد طلبة المعهد الذين تخصصوا في علوم اللغة والشريعة، وهو يتصدرون الجلوس أمامه في درس التفسير في المسجد يعلمون أن الفعل "نصر" يتعدى بـ"على" ولكن الله هنا قال "نصرناه" لماذا لم يقل "نصرناه على"(3).
*- ومخاطبة فئة العامة في قوله: «والمجادل قد يعجز لضعف علمه وقلة بضاعته فلا يستطيع أن يرد وهذا ما للطلبة المبتدئين، وللعامة الجهلة خصوصا عندما يجادلهم أحد ببعض البينة فيعجزون عن الرد لجهلهم وقصر نظرهم ويظنون أن العلم يقضي ذلك»(4).
*- ومخاطبة فئة الشبان للتنبيه على قضية سلوكية أخلاقية اجتماعية خطيرة في قوله: «ولنا في هذا عبرة ولشبابنا بالخصوص، فإذا جلس أحد طلبة تلقوا تعليمهم عن أساتذة كفرة ملاحدة ممن يدعي المسيحية أو من الشيوعيين الذين ظاهروا بإلحادهم.
وما أكثر ما يقع اليوم من مثل هذا الخوض – فليتذكر هذه الآية، وحرام عليه أن يشاركهم في خوضهم هذا إلا أن يكون مدافعا ليرد شبههم -إن كانت له قوة -، أما أن يسترسل معهم، ويسمع لأحاديثهم وكأنه يستحسنها، أو لا يستطيع التصريح بالإنكار فحرام عليه الجلوس معهم، والآية في غاية الصراحة(5).
فهو يشير إلى ظاهرة منحرفة في تلك الحقبة الزمنية التي سادتها إيديولوجيات مسيحية وشيوعية وإلحادية منحرفة تشجع على الفواحش والرذيلة والميوع والإلحاد بين سنة 1964 - 1965، وأكثر المتضررين منها فئة الشباب الذين انساقوا وراء هذا التيار الجارف فحذرهم ونبههم إلى هذا الخطر ليتداركوا أنفسهم قبل فوات الأوان.
4 - تعدد اللسان:
(1) – سورة الحج، الآية: 05.
(2) – في رحاب القرآن، ج4، ص 333 - 334.
(3) – انظر: المصدر نفسه، ج4، ص 111.
(4) – المصدر نفسه، ص 302.
(5) – في رحاب القرآن، ج4، ص 579.