مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

05 بوحجام - المضمون الإسلامي في الشعر الجزائري

الجزء ٦ · صفحة ٧٢

ذابت الأنفس اشتياقًا لِمرآ

كم، وحنّت الأكبادُ

كلُّ ما شدتم على الأرض من مَجْـ

ـدٍ تليد، أضاعهُ الأحفادُ(1)

الحزن على حاضر أبناء الإسلام واضح في هذه الأبيات، والحرص في استرجاع هذا المجد بارز فيها أيضًا، ودعوة الأخلاف إلى الوفاء لأمجاد الأسلاف بيّن في هذا النّصّ. لهذا عمد الشّاعر إلى الحثّ على أخذ العبر من الماضي التّليد، والنّداء إلى القيام، كما قام الآباء، فسجّلوا هذا المجد. بدليل ما ذكره قبل هذه الأبيات:

حرتُ في عزونا إلى العرب لولا

فِكَرٌ خصبةٌ ولُسْنٌ حدادُ

ونفوس لنا تُهيبُ إلى المَجْـ

ـدِ بنا، ما لها سواه مراد

ما يفتأ الشّاعر نفسه يكرّر أسفه على ما آل إليه حال المسلمين من الهوان والضّعف، بعد الأمجاد التي سجّلها من سبق من سالف الأمّة. يذكر ذلك مقارنًا ما قدّموه من آيات التّفوّق والتّميّز، بما أنجبه الغَرْبُ، الذي استهوى شباب الأمّة الإسلامية، وأغراهم وغَرَّرَ بهم ليسيروا في ركابه، بعيدين عن أصولهم. فقد أسكرهم بِمشروعاته، وطوّح بِهم بمؤامراته. والشّاعر بهذه اللّفتات يريد أن يستنهض الهمم، ويدفع بالأخلاف إلى الرّجوع إلى رشدهم، فيتمسّكوا بماضيهم وتاريخهم. أشار إلى الجزائرِ، وطنِ من يخاطبهم قائلاً:

لنا وطنٌ مثل الفراديس بهجة

فكيف رضينا أن يداس وينهبَا؟

وكيف رضينا أن نعيش أذلّةً

ضعافًا يرانا الغير أحقر من هبَا؟

حيارى كقطعان جفتها رعاتُها

فأغرت بها خصمين: ذئبًا وثعلبَا

ألسنا من الأجناس أفصحهم فمًا

وأسْمحهم دينًا، وأصلحهم أبا؟

بنا درّت الدّنيا عليهم بِخيرها

وأخصبَ منها كلّ ما كان أجدبَا

ولدنا وأنجبنا، ففزنا عليهمُ

ومن ولد الصِّيدَ المناجيد أَنْجبَا

فهل أنجبوا فيها (عليًّا) و (خالدًا)

و (عمْرًا) و (معنًا) وابن قيس) و (مصعبَا)؟

وهل أنجبوا مثل (الغزاليِّ) باحثًا

ومثل (ابن خلدون) خبيرًا مدرّبَا؟

وهل أنجبوا مثل (ابن حيّان جابرًا)

وهل جرّبوا من قبلُ ما كان جرَّبَا؟

وهل نشروا في الكون عدلاً ورحمةً

كأجدادنا، أم صيّروه مُخَرّبَا؟

يقاسي من الأرزاء شرًّا منظّما

(1) - ديوان محمد العيد، ص: 119.

٧٢ / ٣١٤