06 باباعمي - البعد العقدي والحضاري للفن
الجزء ٧ · صفحة ٨٣القصوى هو انفصال وانعتاق عن عالَم المادة، وعن المحسوسات … وهو ــــ بعد ذلك ـــــ التحام وسمو إلى عالَم الروح، والعالَم العلويّ.
أما بيجوفيتش فيقرر هذه الحقيقة من مدخل مغاير، ويقول: «في جذور الدين والفن هناك وحدة مبدئية. فالدراما ذات أصل دينيٍّ، سواء في ناحية الموضوع، أم من ناحية التاريخ. كانت المعابد هي المسارح الأولى بممثليها وملابسها ومشاهدها. وكانت أوائل المسرحيات الدرامية طقوسا ظهرت في معابد مصر القديمة منذ أربعة آلاف سنة مضت» (ص146).
ثم يضيف: «لقد كانت الرسوم الأولى والتماثيل والأغاني والرقصات جزءا من الشعائر، وإنما انفصلت مؤخرا عن العبادة، وأصبحت توجَد مستقلة. فعندما رسم الإنسان البدائي الحيوانَ الذي يعتزم صيده – فيما يسمى سحر الصيد – كان هذا نوعا من العبادة، صلوات لكي ينجح في مهمَّته».
ويعرض نفس الأصل الديني للفنِّ في الدراما الإغريقية، ورقصات الهنود الحمر، والباليه الياباني المسمَّى Gigako، إلى أن يقول عن العرب ما قبل الإسلام: «وفي الفترة السابقة على الإسلام، كان الشاعر العربيُّ شخصية مرموقة ذات سطوة، ترجع إلى ما تملكه من قوة سحرية قادرة على حماية الحياة وتدميرها».
يقول هنري برجسون: «إنَّ الفن ابن الدين … وإذا أراد الفنُّ أن يبقى حيا، فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه».
لعلنا نقف في هذه النظرة الفلسفية العميقة وقفة تأمل، ونقرأ في "الفنِّ الإسلامي"، وبالذات في "الإنشاد الإسلامي"، لنذكّْر بالجذور الأصيلة لفنِّ الإنشاد، التي تضرب بعمق في كثير من الشعائر الدينية، منها:
*التلاوة: نزل القرآن على محمَّد عليه السلام، وأمر بتبليغه إلى الخلائق، فضمن الله حفظه … لكن، لا يقتصر هذا الشأن على المحتوى، شأن كلِّ الكتب الأخرى، الدينية منها والفلسفية والفكرية … وإنما يتعداه إلى الشكل، وإلى طريقة الرسم، والرسم فنٌّ … بل وإلى طريقة النطق والأداء، والأداء فنٌّ … فقال جل من قائل: «ورتل القرآن ترتيلا»(1).
(1) - انظر- معهد المناهج، فريق البحوث القرآنية: موسوعة تجويد القرآن؛ تحت الطبع.