مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

06 باباعمي - البعد العقدي والحضاري للفن

الجزء ٧ · صفحة ٨٤

«وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى -رضي الله عنهما- ذكِّرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون، فمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأبي موسى -رضي الله عنه- وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، فقال: يا أبا موسى مررت بك البارحة، فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت لحبَّرته لك تحبيرًا، وقال: للهُ أشد أذنًا – أي استماعًا – إلى الرجل يُحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنَة إلى قينته» (متفق عليه).

يقول أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج(1)، ولا بربط(2)، ولا وتر، أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

*الأذان: الذي هو نشيد متميز عن كلِّ الأناشيد، فهو من جهة: إعلان عقديٌّ، ورمز للتوحيد الإيمانيِّ، ودعوةٌ للصلاة، وتوقُّف لبرهة عن مشاغل الحياة اليومية، والتحامٌ بالعالم الملائكيِّ، وتصفيةٌ لمكامن النفس، واستذكار للعلاقة الوطيدة بين الخالق والمخلوق، وبين الرازق والمرزوق، وبين العابد والمعبود … إنه: شهادة متكرِّرة كلَّ يوم خمس مرات على الأقل …

لكن، ذات الأذان، لا يتوقَّف عند هذه النقطة، فلو فعل لكان رمزا للديانة الحنيفية الرهبانية، المتمثلة في المسيحية بالدرجة الأولى … لكنه يتجاوز إلى مرحلة أعمق وهي: دعوةٌ إلى الفلاح، وإلى وحدة الصفِّ تحت راية محمد عليه السلام، وإعلانٌ عن المنهج الذي يعالج به المؤمن حياته، فليس ثمة ديني ودنيوي، ولا ماديٌّ وروحيٌّ … لكن ثمَّة صبغة ربانية: «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة»(3).

وليس غريبا أن يضمِّن أغلبُ المنشدين ابتهالاتهم مقاطعَ من الأذان، لِما له من علاقة وطيدة بالإنشاد نفسه.

*الدعاء: لقد وفِّق العلاَّمة الشيخ محمد الغزالي أيما توفيق في عنوانه الأدبي الرائع: "فن الذكر والدعاء"، فليس الدعاء عبارات جوفاء،

(1) - الصنج هو قرصين من النحاس مدورين يضرب بهم على بعض يحدث رنين وهذا الرنين.

(2) - البربط هو آلة موسيقية شبيهة بالبزق والسنطور .. قد تكون منقولة من دول أخرى إلى إيران.

(3) - انظر- محمد موسى باباعمي: صبغة الله؛ سلسلة ما بأنفسهم، رقم 06. منشورات معهد المناهج، الجزائر.

٨٤ / ٣١٤