مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

06 باباعمي - البعد العقدي والحضاري للفن

الجزء ٧ · صفحة ٨٦

ويتلطَّف مع الآخرين، ويفرَّق البسمات والتحيات بأدب جمٍّ.

فقال لي صاحبي: ما رأيك فيه؟ إنه من أولئك الذين صنعتهم الحضارة الحديثة على نحو معيَّن.

قلت: ماذا تعني؟

قال: أعني أنه لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر.

قلت: إذن، فهو حيوان مستأنس.

قال: أفبعد هذا الاتقاء تصفه بأنه حيوان مستأنس.

قلت: إنَّ الاستئناس هو الوصف الذي أضفتْه عليه الحضارة، وسيبقى حيوانا ما بقي كافراً بالله، فإذا آمن فهو عندئذ إنسان.

إنه لطيف الشمائل، حلو المنظر، ولذلك قلت: إنه مستأنس كهذه القطط والكلاب التي تألفها، ونسمح لها بالتطواف علينا، ولا نلقاها بالرصاص، كما نلقى الذئاب والضباع.

واستتليتُ: أترى الخائن لوطنه عندما يجرُّ إلى حبل المشنقة؟

إنه قد يكون وسيم التقاطيع، وربَّما كانت له أمٌّ يبرُّها، أو زوجة يحبها، أو رحم يصلها.

لكنَّ شيئا من هذا لا يُذكر أبدا عند اقتياده إلى ساحة الموت.

إنَّ الجرم الذي ارتكبه أفظع، وأشنع من أن تذكر بجانبه حسنة!! ألم يخن وطنه؟

إنَّ خيانة قطعة من الأرض تسمى الوطن، جريمة أهون من خيانة ربِّ الأرض كلِّها … أهونُ من الكفر بالله ربِّ العالَمين» (ص102 - 103).

من هنا نتساءل عن الفنِّ الذي يتنكَّر للربِّ الذي وهب الفنان وسائله، وعن الغناء الذي يجحد منشئ السمع واللسان، وعن الرسم الذي يُشرك بمبدع العين والبَنان … هل يليق أن نصنِّفه في خانة الفنِّ، مهما كان مستواه؟

يجيب علي عزت بقوله: «إنَّ الفنَّ، في بحثه عما هو إنسانيٌّ، أصبح باحثا عن الله. وإذا كان الواقع يشير إلى وجود فنانين ملحدين اسميا، فإنَّ هذا لا يغيِّر كلَّ شيء؛ لأنَّ الفنَّ "طريقة للعمل، وليس طريقة للتفكير. توجد لوحات لادينية، وتماثيل لادينية، وكذلك قصائد من الشعر، ولكن لا يوجد فنٌّ لادينيٌّ. وظاهرة "الفنان الملحدّ" هي ظاهرة نادرة جدا، ويمكن إرجاعها إلى تناقض في الإنسان نفسه، وهو تناقض لا مفرَّ منه … »

ويلخِّص هذه الفكرة المحكَمة بعبارة جامعة مانعة، فيقول: «إذا امتنع

٨٦ / ٣١٤