06 باباعمي - البعد العقدي والحضاري للفن
الجزء ٧ · صفحة ٨٧وجود حقيقة دينية، امتنع بالتالي وجود حقيقة فنية» (ص173).
والحقُّ أنَّه لا يوجد إلحاد خالص، ذلك أنَّ من ينكر وجود الله تعالى، فهو بالضرورة يؤمن بآلهة أخرى، مثل: الهوى، والشهوة، والعقل، والسلطة، والوطن … ژ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) ژ [الفرقان: 43)].
فكم من مغنٍّ غنَّى امرأةً، وذاب في هيامها، وباع الغالي والنفيس لنيل رضاها، ولكنه رجع بخفي حنين، خسر الدنيا والآخرة.
فهذا مجنون ليلى ينشد:
خليليَّ لا واللهِ لا املك الذي
قضى الله في ليلى ولا ما قضى لِيا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وهذا شاعر جاهلي آخر، هو المنخل اليشكري، يقول:
وأحبُّها وتحبُّني
ويحبُّ ناقتَها بعيري
يا هندُ، مَن لِمتيَّم
يا هند، للعاني الأسيرِ؟
غير أنَّ المؤمن إذا أنشد ملأ الكون إيمانا ويقينا، وأرغم الطير في عنان السماء، والسمك في أغوار البحر، والجبال الراسيات الشامخات، والبحار العاتيات الهائجات … بالاستماع إليه، والإنشاد معه، كأنَّ جميع المخلوقات صنفونيةٌ واحدة.
فهل نقارن بين هذا الهراء الذي سمعناه من مجنون ليلى ومن اليشكري بقول الشاعر المسلم، وإنشاد المنشد المسلم:
تفكَّرت يوماً بمعنى الصديق
وأرسلت طرفي بفكر عميقِ
ترى من سيرسو عليه اختياري
ومن ذا سيغدو كظلي رفيقي
وقالوا سيضنيك بحث دقيق
فجهَّزت نفسي لبحث دقيقِ
ركبت بِحاري وخضت الصحاري
وسرت نهاري، وقد جف ريقي
ويمَّمت شطر الجبال الرواسي
وفي قمة قرب واد سحيقِ
دعوت الإله الذي لا إله
سواه بأن أهتدي للطريقِ
الفنُّ عمل: منه الصالح ومنه الطالح
الفنُّ بجميع أشكاله ومظاهره عمل من جملة الأعمال، له مواصفات العمل، وخصائص العمل، ونتائج العمل … فهو إما عمل صالح وإما عمل