مجلة الحياة، العدد 13 مجلة الحياة

06 باباعمي - البعد العقدي والحضاري للفن

الجزء ٧ · صفحة ٨٩

الفنان بروحه، مصطحبا النية، مؤمنا بقضية عادلة، مبتغيا رضوان الله تعالى، مستهدفا نفع العباد وإعمار البلاد … وأغنيةٍ هابطة، سافلة، صاحبُها مرتزق، يتاجر في الشهوات، ويبيع العهر ليشتري الفسق …

فما هو الفرق بينهما بالضبط؟

هل يكمن الفرق في جودة الصوت؟

لكن، قد يكون صوت الفاسق (أو الفاسقة) أشجى من صوت الملتزم بأشواط؟

وقد يعترض معترض فيقول: لكنني أتلقَّى الغناء من هذا المغني أو المغنية بتأثر واهتمام أكثر مما أتلقى النشيد الملتزم من منشد؟

فالجواب أنَّ الطيور على أشكالها تقع، وقد قال جلَّ من قائل: ژ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) ژ [النور: 26].

صحيح أنَّ الآية نزلت في أمر الزواج، لكنها تعمُّ كلَّ علاقة بين اثنين، فالطيب لا يقبل إلاَّ طيبا، والخبيث لا يرتاح إلاَّ لخبيث … والمستمع الصالح لا يتفاعل إلاَّ مع المنشد الصالح، كما أنَّ المستمع الطالح لا يلهث إلاَّ وارء المغني (أو المغنية) الطالح.

التوجيه الجمالي

يبرز مالك بن نبي عملاقا في ساحة الفكر، وقائدا خرِّيتا لا يكذب أهله في عالم الحضارة، ومن أبرز نظرياته التي نظَّرها بإحكام، ما يعرف بنظرية التوجيه، التي يعرِّفها بأنها: «قوَّة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف» (مشكلة الثقافة، ص67).

ثم يضيف: «كم من طاقات وقوى لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكنِّلها، وكم من طاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها حين زحمتها قوى أخرى صادرة عن المصدر نفس، متجهة إلى الهدف نفسه».

فالتوجيه إذن، هو: «تجنب الإسراف في الجهد وفي الوقت».

فالفن والجمال والذوق الرفيع والنظافة كلها مجتمعة تعمل عمل الموجِّه إلى فعل الخيرات، ومقت المنكرات، ذلك أنه «بالذوق الرفيع الذي ينطبع في فكر الفرد، يجد الإنسان نزوعا إلى الإحسان في العمل، وتوخيا للكريم من العادات».

فكل إنسان دفن في مستنقع القاذورات، وألف السماع إلى الأصوات

٨٩ / ٣١٤