إصلاح ذات البين وتجربة المجتمع الميزابي الإباضي في الجزائر صالح بن عبد الله أبو بكر
الجزء ٦ · صفحة ١٦إنَّ السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع، وتوحيد المسلمين كلهم على مذهب فقهيٍّ واحدٍ، معاندةٌ للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه، كما أنَّه ضربٌ من العبث وإضاعة الوقت وتشتيت للجهود، وتفريقٌ لصفوف الأمة التي هي في أمسِّ الحاجة إلى الوحدة ولم الشمل، إذ كيف يمكن انتزاع الخلاف في مسألة دليلها ظنيٌ محتمل؟ ولو أمكن ذلك أن يتمَّ في عصرنا لكان أولى العصور به عصر رسول الله ح، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما حدث، ومن واقعة صلاة العصر في بني قريظة، نستنتج أنه لا يعاب في استنباط المعاني من النصوص، وفيه أيضا أن المختلفين في الفروع مجتهدون، لا إثم عليهم فقد قال ح «إذا حكم الحاكم فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فأجتهد ثم أخطا فله أجر»(1).
وحاصل ما وقع أنَّ بعض الصحابة خلوا النهي على حقيقته، ولم يبالوا بخروج الوقت ـ وقت صلاة العصر ـ ترجيحا لهذا النهي الخاص على النهي العام عن تأخير الصلاة عن وقتها(2).
وقد علق الحافظ ابن حجر على هذه القصة فقال: «ثم الاستدلال بهذه القصة على أنَّ كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد، فيستفاد منه عدم تأثيمه، وقد استدل الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه ح لم يعنِّف أحدا من الطائفتين، فلو كان هناك إثم لعنف من أثم»(3).
(1) -البخاري، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد رقم 7352.
(2) -د. علي محمد الصلابي، السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت، ط05، 2005، ص 624.
(3) -فتح الباري، 07/ 473.