مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ٣

إلاَّ أن أيام القتال في حياة الرسول كلها لم تتجاوز في مجمل التقديرات ستين يوما (60) أو نحو ذلك، من حوالي ثمانين و مئتين وثمانية آلاف يوم (8280)، مجموع سنوات الدعوة الميمونة، اختار منها التاريخ والمؤرِّخون على اختلاف مشاربهم ومحطاتهم الزمانية والمكانية الأيام الحربية(1)، ليجعلوا منها محور الحديث ومدار الأحداث، فتأصَّل في ذاكرتنا التاريخية الاستثناءُ، وتهمَّشت أصول السيرة النبوية العطرة، بعيدا عن الإمساك بتلك الروح التي تلهم ذلك المدار وتحرك ذلك الحدث، وخارج التوظيف الحقيقي والواعي لمساقات تاريخ الدعوة الرحيمة، هذا هو الشعور الذي أحس به وأذكره متألما كلما رأيت نزوع الناس إلى المظاهر التي قد تغلب عليها مسالك الشغب والشعارات، واعتسافُ بعضهم في حمل الآخرين معهم في ما يرونه سفينة «النجاة» بإصرار كثيرًا ما يقبع وراءه شهواتُ الانتقام المكبوتة ودوافع ذاتية تبحث عن انتصار مفقود، وهذا هو ما جعلني أحاول بجهد المُقلِّ الضعيف ـ حقيقة لا تواضعا ـ أن أقف عند سمة هي في حقيقتها أصل الفضائل والسمات في رسالة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ألا وهي سمة الرحمة، يقول تعالى بأسلوب الحصر البلاغي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(2)، وقد تجلت هذه الرحمة في أسلوب وَسَم حياته الدعوية كلها السلوكية منها والقولية، ما جعل غيره من الأساليب التي قد تضطره إليها بعض المقامات استثناء عزيزا، هذا الأسلوب هو ما عرف عند البلاغيين بأسلوب الاستدراج الحكيم.

بين يدي المصطلح


(1) - أيام القتال الحقيقية أقلُّ من هذا العدد بكثير، فجل السرايا كانت استطلاعيَّة لم تشهد أي قتال يذكر.

(2) - القرآن الكريم، الأنبياء: 106.

١٤ / ٤٤٩