أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٥الاستدراج مذهبٌ قرآني أصيل، كثير من آيات الذكر الحكيم تؤكد دروج الأنبياء على هذا السبيل النبيل، وتؤصِّل مشروعية تبني هذا المسلك المسالم العزيز في شعاب الحياة كلها، وترشد إلى هذا الخيار ـ ما أمكن المكان وأتاح الزمان ـ سلوكاً إنسانيا راقيا، يوجِّه خطاب المسلمين بعضهم إلى بعض، ويقود مقاربتهم مع الآخر في غير ما ذلة أو هوان أو انكسار، وأظن ظناً أنَّ الخطاب العربي الإسلامي قد خسر كثيرًا، وأصابه غبن عظيم عندما اكتفى بتوجّه المنهج البلاغي في أدبياته توجّهاً تنظيرياً محضًا، وراح يحاصر تفاصيل تقعيدية جافَّة، أثقلت كواهل علم البيان والبديع، ونحا بأدوات العمل المعرفي منحى التقسيم والتشعيب الافتراضيين، حتى إن أحد علمائنا الأجلاء أحصى للجناس اثني عشر قسمًا(1)، فأشرفت بعض جوانب هذا العلم الوسائلي على أن تكون صناعة ترفٍ علميٍّ مفتعل، لا أداةً من أدوات التبليغ الناجعة، فانبتَّت بذلك الصلة الحميمية التي تصل بين التنظير والتبشير في كثير من جوانب الحياة العمليَّة عن المقاصد الأولى لهذا العلم، وغفل المعنيُّون بأمر الخطاب الدَّعَوي وقضاياه عن الاحتفال بواحدٍ من أبرز الملامح القرآنية والنبوية المشرقة في حقل الدعوة ومخاطبة الآخر.
(1) - خزانة الأدب وغاية الأرب، شرح عصام شعيتو، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط2 (1991) 54 ـ 100.