مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

مسافة السفردراسة مقارنة بين المذهبين المالكي والإباضي أحمد بن صالح الشيخ أحمد

الجزء ٨ · صفحة ١٦

قال ابن تيمية: «والقصر جائز في كلِّ سفر قصيرًا كان أم طويلا، فلم يخص الكتاب والسنَّة بسفر دون سفر لا بقصر ولا بفطر ولا بتيمم، ولم يحدد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسافة القصر بحد زماني ولا مكاني، والأقوال المذكورة في ذلك متعارضة ليس شيء منها بحجة، وهي متناقضة. فالواجب أن يطلق ما أطلقه الشارع ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر في كل سفر، ومن جعل بعض الأحكام متعلقة بالسفر الطويل وبعضها بالقصير فليس معه حجة يجب الرجوع إليها»(1).

وقال: «والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُقدِّر لا بأميال ولا بفراسخ، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض، فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقا بشيء لا يعرفونه، فالرجل الذي يخرج إلى الصحراء لحطب فيغيب اليومين أو الثلاثة فيكون مسافرًا وإن كانت المسافة أقل من ميل، بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون بذلك مسافرا؛ لأنَّ الأول يحتاج إلى الزاد والمزاد فهو مسافر بخلاف الثاني، وهذا مما يعرفه الناس بعاداتهم، ليس له حدٌّ في الشرع ولا اللغة، فما سموه سفرًا فهو سفر»(2).

قال الشوكاني: «ولم يرد في تعيين قدر السفر الذي يقصر فيه المسافر شيء فوجب الرجوع إلى ما يسمى سفرا لغة وشرعا»، وقال: «ومسألة أقل السفر قد اضطربت فيها الأقوال، وطال فيها النزاع، وتشعبت فيها المذاهب، وليس في ذلك شيء يستند إليه إلاَّ مجرَّد قول الرواة: قصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كذا، من دون بيان لمقدار يُرجع إليه، وليس في المسألة ما يصلح الاستناد إليه فوجب الرجوع إلى ما يصدق عليه مسمى الضرب في الأرض، على وجه يخالف ما يفعله المقيم»(3).

(1) - فتاوى ابن تيمية، 24/ 12، 13. انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، 2/ 1357.

(2) - فتاوى ابن تيمية، 24/ 134، 135.

(3) - محمد بن علي الشوكاني: الدراري المضيئة شرح الدرر البهية، ط6، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت- لبنان، د. ت، ص 140، وهامش ص 141، 142.

١٦٥ / ٤٤٩