مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي

الجزء ٩ · صفحة ٤

يقول سبحانه وتعالى واصفا المنافقين: ژ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ژ(1)، من هنا نفهم أنَّ النفاق تكذيبٌ ومخادعة لله جلَّ جلاله، وحاشاه أن يُخدَع؛ وليس مجرَّد تكذيب للعباد وخداع لهم؛ ومن صفات هؤلاء المنافقين أنهم «يقولون ما لا يفعلون»، و «يقولون خلاف ما يفعلون»، و «يقولون ولا يفعلون»، وقد وصفهم سبحانه في ذات السياق بأنهم:

* ژ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ژ: الكسل من صفات الفعل والعمل، وهو مخالف لادعائهم، ولِما يُبدونه لمن حولهم، بتنميقهم للكلام، وبأقوالهم المعسولة المضلِّلة.

* ژ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ژ: فصفة المراءات والرياء من أعمال القلوب، وهو أنهم يخدعون الناس والمؤمنين بالمظاهر المخالفة لحقيقة الأمر؛ قال القرطبي: «إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله»(2).

أمَّا ما يميِّز هؤلاء المنافقين حقًّا فهو أنهم ژ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) ژ، وحتى هذا الذكر القليل يقصد به مصالح مباشرة، ويحفظ به ماء الوجه عند المؤمنين، وعند «شياطينهم»، ولا شيء منه لله تعالى.

من هنا نعلم أنَّ «ظاهرة النفاق»، أو مشكلة «انفصام الفكر والفعل»، هو سؤال الأزمة في العهد النبويِّ، وفي عهود متوالية أخرى، إذ كلَّما كان اعتقاد المسلمين مجرَّد شعارٍ لا حقيقة له، كان ذلك سببًا لنكبتهم ونكستهم، وكلَّما تطابق ما يَعلمون بما يعملون، كانت أمَّتُهم خير أمَّة، وظهرت على غيرها.

والحقُّ أنَّ معالجة «نموذج الرشد»، ومن خلاله «سؤال الأزمة»، من خلال مفاهيم القرآن الكريم، هو من أوكد البحوث التي تُنضج النموذج، ولعلَّ الله ييسِّر ذلك على يد أحد الباحثين، وهو وليُّ التوفيق.

(1) - سورة النساء: 142.

(2) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن الكريم؛ تفسير الآية من سورة النساء؛ موقع تفاسير.

١٧٣ / ٤٤٩