مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي

الجزء ٩ · صفحة ٦

فالأفكار المطبوعة إذن هي تلك التي تنطبع في الفرد جرَّاء خلفيته التاريخية والدينية والاجتماعية، وهي أشبه ما تكون بالقدَر المحتوم، الذي لا يملك الإنسانُ تغييره؛ أمَّا الأفكار الموضوعة، فهي التي تنبع من خصائص الفرد، وهي ظلٌّ وصدًى لحريته وإرادته، بها يتميَّز عن غيره في إطار الخلفية المشتركة؛ ولقد تتحوَّل مع الوقت إلى أفكار مطبوعة لغيره(1)؛

(1) - وانظر- محمد باباعمي: مقدمات في نظرية الوعاء الحضاري، القطب اطفيَّش نموذجا؛ نشر الجزائر الجديدة، 26 ديسمبر 2011م؛ وهي محاضرة أعدت لمؤتمر القطب في جامعة غرداية؛ وفيها يعرَّف الوعاء الحضاريُّ باعتماد صور ذهنية، كما يلي: «الوعاء الحضاري هو كلُّ ما يؤثِّر في مسير الإنسان ومصيره الدنيويِّ أكيدا، والأخروي غالبا؛ فهو: جغرافيَّتُه، وتاريخُه، ومحيطُه، وبيئتُه، وخصائصُه الموروثة، وأحداثُ عصره، والمؤثرات في فكره، والمحرّكات لمشاعره … وهو –بلغة فن الرسم– الخلفيةُ التي يضع عليها الرسام لوحته، حجمُها، ونوعُها، وشكلُها … وهو الحال النفسية التي يكون عليها ذلك الرسام، والطبيعة التي تحيط به، والأفكار التي تعتلج في خاطره … كلُّ ذلك ليس هو الرسم نفسه، ولكنه محدِّد ومؤثِّر فيما سيصدر من أشكال وألوان ورسوم». وفي العلاقة بين الإنسان وبيئته، بين أفكاره الموضوعة وأفكاره المطبوعة، يذكر المقال: «أنَّ العالم «يحرِّك الأمواج»، ويحدث التغيير، ويشارك في الإصلاح أو الثورات، بكل مقاييسها، وقد يتحول جهده بعد أمد إلى «قطعة من طبيعة الوعاء الحضاري لأمته»؛ غير أنَّ العالِم لا يستطيع أن «يصنع المحيط»، ولا أن يقوم بانقلاب جذري، في ظروف زمنية قصيرة، لا تتجاوز عمره؛ وليس من العلم في شيء أن نربط تاريخ أمَّة على عالِم أو حدث أو طفرة، بل إنَّ هذا من الأخطاء التي ترتكب تكرارا في منهج التأريخ للفكر والتراث الإسلامي» ..

١٧٥ / ٤٤٩