حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ٧فخاصيَّة التميُّز والتفرُّد تابعة للأفكار المطبوعة، وخاصية التطور والنماء تابعة للأفكار الموضوعة.
ونقرأ أصل هذا التقسيم عند ابن خلدون، في قوله: «ذلك الفكر يدرك الترتيب بين الحوادث بالطبع أو بالوضع».
ذاتية اتِّباع الأسباب:
من بين المرتكزات الثلاثة الأساسية في نموذج الرشد نسجل «ذاتية اتباع الأسباب»؛ ولابن خلدون توجيه مفيد في هذا المعنى، مما جاء فيه: «إذا قصد إيجادَ شيء من الأشياء، فلأجل الترتيب بين الحوادث لا بدَّ من التفطن بسببه أو علَّته أو شرطه، وهي على الجملة مبادئه، إذ لا يوجد إلاَّ ثانيًا عنها، ولا يمكن إيقاع المتقدِّم متأخرًا ولا المتأخر متقدمًا. وذلك المبدأ قد يكون له مبدأ آخر من تلك المبادئ لا يوجد إلاَّ متأخرًا عنه، وقد يرتقي ذلك أو ينتهي».
فهي إذن، عملية فكرية دقيقة، تُكسب المرءَ ملكة «تتبُّع الأسباب»، من المسبَّب إلى السبب الأخير، حتَّى يكتشف «رأس الخيط» كما يعبَّر عنه مجازا؛ فإذا ما تحكَّم في السبب الأوَّل، إذا كان مما يُتحكَّم فيه، هنا تأتي المرحلة الحاسمة، إذ المطلوب ليس هو «توصيف ووصف ذلك السبب»، أو حتى الجدل حوله، والتقعير الممجوج أحيانا، بخاصيةٍ إذا كان «الكلام» أدبيا، لفظيا، بتعبير ابن نبي؛ أو حروفيا، بتعبير فتح الله كولن. لكنَّ المقصد أبلغ وأعظم من ذلك.