حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ٨ولا شكَّ أنَّ الفكر الرياضيَّ يمرِّن العقل على ملكة تتبُّع الأسباب، وملاحظة المناسبات، ويقيه شرَّ الاقتصار على ظواهر الألفاظ، والاختصار على مظاهر الأشياء؛ يقول فتح الله كولن، في تحديده لصفات ورثة الأرض، ضمن الصفة السادسة، التي هي «الفكر الرياضيُّ»: «فإذا تركنا التصرُّف المفرط للحروفية جانبًا، فإنَّه لولا الرياضيات لما توضحت المناسبات بين البشر ولا بين الأشياء … فهي - كمصدر نورٍ- تضيء طريقنا في الخطِّ الممتدِّ من الكائنات إلى الحياة، وترينا ما بعد أفق الإنسان، بل أعماق عالم الإمكان العسير التفكير فيه وتحمُّله، واللقاء بغاياتنا»(1).
آخر الفكر، أوَّل العمل:
كثيرًا ما أشكل على الناظر العلاقة بين «الفكر» و «الفعل»، وسأل حائرا: متى يبدأ الفكر ومتى ينتهي، ومتى يبدأ العمل ومتى ينتهي؟ وهل بينهما فصل، أم أنهما متلاحمان؟ وما علاقة العقل بالحواسِّ؟.
ولقد عالجت نظرية المعرفة هذه العلاقة فلسفيًّا، حسب المدارس والنظريات المختلفة، وبرزت عموما ثلاث تيارات كبرى، لها امتداد في «مصادر المعرفة»، وفي «طبيعة المعرفة»، وفي «إمكان المعرفة»، وهي: التيار الحسِّي التجريبي، والتيار العقلي، والتيار الموفِّق بينهما، أي ما يعرف بالتيار النقدي(2).
(1) - ونحن نقيم صرح الروح؛ ترجمة عوني عمر لطفي أوغلو؛ دار النيل، مصر؛ ط6: 2011؛ ص43.
(2) - ينظر: محمد باباعمي: مشكلة المعرفة والخصوصية الإسلامية، عند المفكر مالك بن نبي؛ مؤتمر تلمسان؛ 2011؛ نشر موقع ابن نبي، وموقع فييكوس. وانظر- محمد باقر الصدر: فلسفتنا؛ دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1379هـ؛ ص55. محاضرات جعفر السبحاني: نظرية المعرفة: المدخل إلى العلم والفلسفة والإلهيات؛ بقلم حسن محمد مكي العاملي؛ المركز العالمي للدراسات الإسلامية؛ مطبعة القدس، 1411، ص135 وما بعدها.