مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي

الجزء ٩ · صفحة ١١

وهذا ما وسم مرحلة «النشأة الأولى»، وهو شرط «لإعادة النشأة» كلَّما أراد المسلمون العودة إلى ريادة الإنسانية نحو الخير؛ ذلك أنَّ من القواعد الكلِّيَّة الثابتة في التاريخ «أنَّ نهضة مجتمع ما تتمُّ في الظروف العامَّة نفسها التي تمَّ فيها ميلاده»(1) وهذا القانون عبَّر عنه الأثر بقوله: «لا يصلح آخر هذه الأمَّة إلاَّ بما صلح به أولها»(2).

فظاهرة الفقر مما عانى منه المسلمون في عهد النبي عليه السلام، ومما لا يزال يعاني منه العالَم اليوم أجمع، وفي مقدِّمتهم ربع العالم (مليار ونصف) ممن ينتسبون إلى الإسلام؛ والمعقول أنَّه عوض أن يستوردوا سياسات وأفكارا هجينة، قد لا تلائم روح الإنسان، وعوض أن يكثروا من لعن الفقر، ويعملوا على ديباجة الخطب في ذلك، ويعمدوا إلى تنظيم الملتقيات والمؤتمرات، كان من الأولى عليهم «اتباع الأسباب» ذاتيا(3)، و «الشروع في الفعل» بداهة، وغرس هذه الملكة لدى خاصَّة الناس وعامَّتهم؛ وهذا ما نقرأه في الحديث الذي ورد فيه عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أنَّ رجلا سأله معونة، فأمر أن يبيع بعض متاعه، واشترى له فأسًا، وأمره أن يعمل. ثم قال له: «هذا خير من أن تأتي المسألةُ نكتةً في وجهك يوم القيامة»(4).

(1) - مالك بن نبي: ميلاد مجتمع؛ ص76.

(2) - عدَّه مالك بن نبي حديثا، وهو في الأصل مقولة للإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه -، وليس حديثا.

(3) - ينظر في العدد 13 من مجلة حراء؛ مقال للأستاذ فتح الله كولن، بعنوان: «حركة نماذجها من ذاتها». ومن القواعد الكلية لفقه الحضارة، التي صغتها من المصادر، قاعدة: «لا أثر لأيِّ عامل خارجي، إلاَّ باستجابة العامل الداخلي».

(4) - حديث طويل، روي بطرق مختلفة، وبأطراف عديدة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -؛ وانظر مسند الإمام أحمد، وغيره.

١٨٠ / ٤٤٩