مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي

الجزء ٩ · صفحة ١٢

وهنا نلاحظ أنَّ النبي عليه السلام نظر إلى آخر سبب في سلسلة أسباب الفقر، وهو العطل والكسل والبطالة، فجعلها أوَّل العمل، حتى إنه أمر الرجل أن ينكبَّ على عمله، وأن لا يشتغل بغير ذلك، حتى بزيارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: «ثم لا تأتيني، ولا أراك خمس عشرة ليلة».

وكانت النتيجة أن الرجل استغنى، وكسب عشرة دراهم في خمس عشرة ليلة؛ وقد كان الفقر والحاجة أوَّل الفكر، وبداية المشكلة، فصار التغلُّب عليه، وعيالة أهله وكسوتهم، والقضاء على المشكلة، آخرَ العمل. وبهذا تحقَّق المراد، وحُلَّت المشكلة، ولم تبق رهينة اللاقدرة والكَلالة.

الأفعال الإنسانية والأفعال الحيوانية:


إذا كان الفكر البشريُّ مرتبطا بالأسباب، وإذا كان الفعل البشريُّ متَّسما بالنظام والترتيب؛ فإنَّ «الأفعال الحيوانية لغير البشر ليس فيها انتظام، لعدم الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل، إذ الحيوانات إنما تدرِك بالحواس، ومدرَكاتُها متفرِّقة خليَّة من الربط؛ لأنه لا يكون إلاَّ بالفكر».

ولقد حاولت معالجة الفروق بين الإنسان والحيوان، من مدخل نموذج الرشد؛ ومما ورد في المقال ملاحظة «أنَّ الإنسان الراشد يدرك الشيء ويدرك سببه، أمَّا الطائر فلا يدرك الأشياء إلاَّ مفصولة عن أسبابها العميقة البعيدة، غير أنَّ التقدير الربَّانيَّ عوَّضها بمهارات غريزية بديلة، تمكِّنها من الحياة البديعة الرائعة»(1).

(1) - في مقال بعنوان «الطيور الرشيدة»، نشر قبل عامين، في موقعي فييكوس، والقرآن من أجل النهضة.

١٨١ / ٤٤٩