حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ١٤ولو لاحظنا، تربويًّا، ودرسنا البرامج والمقرَّرات التقليدية، لوجدنا أنَّ التعليم الكلاسيكي(1) يقوم على «تحفيظ المعلومات»، ويمنع العقل من «التوليد»، و «الاجتهاد»، وذلك لبلوغ أغراض أيديولوجية قاصرةٍ؛ عوض الدفاع عن الحرية، والإيمان بقدرة الإنسان اللامحدودة، وإكساب الطالب والتلميذ الملكة والقدرة على التفكير والتحليل والتركيب، وعلى البحث الحرِّ عن الأسباب، وفي الأسباب.
إني جاعل في الأرض خليفة:
لقد أبدع ابن خلدون حين ربط بين «الاستخلاف» و «الفكر»، أو ما يعرف «بالقدرة على اكتشاف النظام، والعمل بانتظام»؛ فقال: «ولما كانت الحواس المعتبرة في عالم الكائنات هي المنتظمة، وغير المنتظمة إنما هي تبع لها، اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها، فكانت مسخرة للبشر. واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث، بما فيه، فكان كلُّه في طاعته وتسخيره. وهذا معنى الاستخلاف المشار إليه في قوله تعالى: ژ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ژ، فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان».
(1) - لا أعني بالتعليم الكلاسيكي إلاَّ ذلك التعليم النمطي الملائم لعصور الانحطاط، في أيِّ حضارة كانت؛ وهو تعليم يلغي إنسانية الإنسان، ويتعامل معه كشيء، وكقالب؛ لا على أنَّه عقل مبدع قادر على التوليد. والقاعدة هي أنَّ «العصر يلد تعليمه ومدرسته». من هنا لا أعتبر التعليم في «دار الحكمة» مثلا، تعليما كلاسيكيا، والتاريخ يبين مدى قدرتها على إنتاج العلم الأصيل، بدينامية منقطعة النظير.