حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ١٥بل إنَّه لو سئل المرء عمَّا به تثبت إنسانية الإنسان، وبم يتميز الناس فيما بينهم؟ وبم يفترقون به عن الحيوانات؟ لتباينت الآراء، إلاَّ أنَّ ابن خلدون كان أصيلا في «ربطه بين التميُّز والقدرة على إيجاد الأسباب»، فقال: «وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتَّبةً تكون إنسانيته. فمن الناس من تتوالى له السببية في مرتبتين أو ثلاث، ومنهم من لا يتجاوزها، ومنهم من ينتهي إلى خمس أو ست، فتكون إنسانيته أعلى».
ولقد سأل علي عزت بيجوفيتش(1) عن العبارة المألوفة التي تتكرر كثيرا: «الإنسان نتاج بيئته»، هل هي صادقة، وهل هي مسلَّمة لا جدال فيها، كما يعتقد البعض؟
والنظر يصل بنا إلى أنَّ هذه العبارة هي «مسلَّمة رئيسة» في المذهب الماديِّ، وهي تُتَّخذ نقطة انطلاق لكلِّ النظريات اللاإنسانية: في القانون، وعلم الاجتماع، وفي فنِّ استعباد البشر اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو حتى سياسيًّا؛ وذلك أنَّها تُلغي حرية الإنسان، وتجعله تابعا لما هو أدنى منه، أي «المادة والبيئة»، وتَصْرِفه عن التبعية لمن هو أعلى منه، أي «خالقه، ورازقه»، وبالتالي تمثِّل هذه العبارة ومثيلاتها منتهى الجبريَّة الماديَّة اللاإنسانيَّة المعاصرة، حتى ولو غُلِّفت بألف غلاف من الأوهام والزخرفات والمخادعات.
(1) - الإسلام بين الشرق والغرب؛ ترجمة محمد يوسف عدس؛ نشر مجلة النور الكويتية، ومؤسسة بافاريا، ألمانيا؛ 1994م.