مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي

الجزء ٩ · صفحة ١٧

• ومن نافذة «ضرب الأمثال» قد حُصِّل اليقين الإيماني بحقائق الغيب، وأسس الإسلام، مما يقرب من الشهود؛ «فاضطرَّ الخيال إلى الاستسلام، وأُرغم الوهم والعقل على الرضوخ، بل النفس والهوى. كما اضطرَّ الشيطان إلى إلقاء السلاح»(1).

مصداقا لهذه الأبعاد، وتمثلا لهذه المعاني، وسيرا على منهج القرآن الكريم، ضرب ابن خلدون مثلا، في كون إنسانية الإنسان متعلِّقة بمدى معرفته بالأسباب، ومرتبطة بقدر علوِّ كعبه في اتباعها، فقال: «واعتبر ذلك بلاعب الشطرنج: فإنَّ في اللاعبين من يتصور الثلاث حركات والخمس الذي ترتيبها وضعيٌّ، ومنهم من يقصر عن ذلك لقصور ذهنه. وإن كان هذا المثال غير مطابق، لأنَّ لعب الشطرنج بالملكة، ومعرفة الأسباب والمسببات بالطبع، لكنه مثال يحتذي به الناظر في تعقل ما يورد عليه من القواعد. والله خلق الإنسان وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً»(2).

من العلم إلى الحال، ومن القول إلى الاتصاف:


ما هو الكمال المرجوُّ والمعتبر في التوحيد وفي العبادات: أهو الإيمان القلبيُّ المجرَّد؟ أم هو مرحلة أعلى من ذلك؟

هو موضوع كلاميٌّ قديم، صُنِّفت فيه المؤلفات، وجرت حوله المحاورات، يقول الإمام البخاري: «كتبت عن ألف نفر من العلماء، لم أكتب إلاَّ عمن قال الإيمان: قول وعمل، ولم أكتب عمَّن قال: الإيمان قول». وهو بهذا يذهب إلى أنَّ الراجح هو كون الإيمان قولا وعملا؛ ولهذا عرَّفوا الإيمان بأنه: «اعتقادٌ بالجَنَان، وقولٌ باللسان، وعمل بالأركان». فالعمل بهذا يكون ركنا من أركان الإيمان، لا خارجا عنه.

(1) - بديع الزمان النورسي: المكتوبات؛ ترجمة إحسان قاسم صالحي.

(2) - مقدمة ابن خلدون.

١٨٦ / ٤٤٩