حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ١٩ولَكَم أرَّقتنا صورة «مسلم» لا تصطبغ أفعاله بدينه وإيمانه؛ فهو من جهة يصرِّح بالإيمان، ويقول به، وهو من جهة أخرى يأتي ما يُخالف قوله، وهو ما عبَّر عنه البعض «بظاهرة النفاق»، وهي ظاهرة «انفصام القول مع الفعل»، و «الظاهر مع الباطن»؛ ولقد ضرب ابن خلدون مثالا حيًّا، شرح فيه هذه المعضلة الحضارية، فقال: «والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف. وشرحه أنَّ كثيرًا من الناس يعلم أنَّ رحمة اليتيم والمسكين قربةٌ إلى الله تعالى، مندوبٌ إليها، ويقول بذلك ويعترف به، ويذكر مأخذه من الشريعة، وهو لو رأى يتيمًا أو مسكينًا من أبناء المستضعفين، لفرَّ عنه، واستنكف أن يباشره، فضلاً عن التمسيح عليه للرحمة، وما بعد ذاك من مقامات العطف والحنوِّ والصدقة. فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقامُ العلم، ولم يحصل له مقامُ الحال والاتصاف. ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأنَّ رحمة المسكين قربةً إلى الله تعالى مقامٌ آخر أعلى من الأوَّل، وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها. فمتى رأى يتيمًا أو مسكينًا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه، لا يكاد يصبر عن ذلك، ولو دُفع عنه. ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده»(1).
وبيان هذا المعنى قول ابن خلدون: «ولو طلب الاتصاف بعد العلم، كان لزامًا أن يقع العمل ويتكرَّر مرارًا غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظَّار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة»(2).
«ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصِّل لهذه الثمرة الشريفة».