حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ٢٠ودليل ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في رأس العبادات: «جُعلت قرة عيني في الصلاة»(1)، فإنَّ الصلاة صارت له صفةً وحالاً يجد فيها منتهى لذَّته وقرَّة عينه، وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها؟ ژ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) ژ.
وإنَّ الإيمان، الذي هو أصل التكاليف كلِّها وينبوع العبادات جميعها، له مراتب:
* «أولها التصديق القلبيُّ الموافق للِّسان».
* «وأعلاها حصول كيفية، من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرُّفات، حتى تنخرط الأفعال كلُّها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة. إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين».
ومعنى ذلك «أنَّ ملكة الإيمان إذا استقرَّت عسُر على النفس مخالفتُها، شأن الملكات إذا استقرَّت، فإنها تحصل بمثابة الجبلَّة والفطرة. وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان، وهي في المرتبة الثانية من العصمة؛ لأنَّ العصمة واجبة للأنبياء وجوبًا سابقًا، وهذه حاصلة للمؤمنين حصولاً تابعًا لأعمالهم وتصديقهم. فبهذه الملكة ورسوخها، يقع التفاوت في الإيمان».
والجديد عند ابن خلدون، من خلال هذه النصوص وغيرها، هو خروجه من دائرة الجدل اللفظيِّ، وتوظيفه للمثال، وللصورة الذهنية، التي تقرِّب المعنى وتجلِّيه، وتصنيفُه للعلاقة بين المعلوم (الخلُق، مثلا) والعالِم (الإنسان) والعلم (النظر، الحال … )، إلى مراتب وأوجه منها:
* من العلم الأوَّل (علم النظر) إلى العلم الثاني (النافع).
* من مقام العلم إلى مقام الحال.
* من مقام القول إلى مقام الاتصاف.
* حصول الصفة وتكيف النفس.
* حصول المكلة بفعل التكرار.
(1) - مسند الإمام أحمد؛ رواية أنس بن مالك؛ رقم 13758. وهو صحيح.