حركية الفكر والفعل في المنهج القرآني من خلال الفهم الخلدوني محمد بن موسى باباعمي
الجزء ٩ · صفحة ٢١* رسوخ الملكة، وحصول الاتصاف والتحقيق.
* من الملكة والاتصاف إلى الإقبال والشوق والمواظبة.
* بلوغ مرتبة الكمال في الإيمان، وهي مرتبة استقرار الملكات، وتحوُّلها إلى جبلَّة وفطرة.
العقل التجريبي
يقول ابن خلدون في معرض حديثه عن العلوم الوضعية، وعن التجربة في المجال الماديِّ المحسوس: «المعاني الجزئية التي تتعلَّق بالمحسوسات وصدقها وكذبها، إنما تُتعلم بالتجربة».
ويبين مدى استفادة الناس من هذه المعاني، ودرجات استيعابهم، فيقول: «ويستفيد كلُّ واحد من البشر القدر الذي يُسِّرَ له منها، مقتنصًا له بالتجربة بين الواقع في معاملة أبناء جنسه، حتى يتعين له ما يجب وينبغي، فعلاً وتركًا. وتحصل في ملابسة الملَكة في معاملة أبناء جنسه. ومن تتبع ذلك سائر عمره حصل له العثور على كلِّ قضية قضية. ولا بد بما تسعه التجربة من الزمن».
«وقد يسهل الله على كثير من البشر تحصيل ذلك في أقرب زمن التجربة، إذ قلَّد فيها الآباء والمشيخة والأكابر، ولُقِّنَ عنهم، ووعى تعليمهم، فيستغني عن طول المعاناة في تتبُّع الوقائع واقتناص هذا المعنى من بينها. ومَن فَقَدَ العلم في ذلك والتقليد فيه أو أعرض عن حسن استماعه واتباعه، طال غناؤه في التأديب بذلك، فيجري في غير مألوف ويدركها على غير نسبة، فتوجد آدابه ومعاملاته سيئة الأوضاع بادية الخلل، ويفسد حاله في معاشه بين أبناء جنسه. وهذا معنى القول المشهور: «من لم يؤدبه والده أدبه الزمان». أي من لم يُلقَّن الآداب في معاملة البشر من والديه - وفي معناهما المشيخة والأكابر - ويتعلم ذلك منهم، رجع إلى تعلُّمه بالطبع من الواقعات على توالي الأيام، فيكون الزمان معلِّمه ومؤدِّبه لضرورة ذلك بضرورة المعاونة التي في طبعه. وهذا هو العقل التجريبي، وهو يحصل بعد العقل التمييز في الذي تقع به الأفعال كما بيناه».
وهنا، كذلك، يحصر ابن خلدون جملة من المفاهيم، منها: