أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٨وأبرز ما تجدر ملاحظته في هذه المفاهيم اللغوية الأولى هو معاني الشفقة ودلالات الرحمة، تتجلَّى واضحة بيِّنة في مختلف مظاهر الحياة: في استدراج الناقة التي ترعى حداثة ولدها وافتقاره إلى الخبرة، وفي استدراج الصبي الصغير وما يُحاط به من حنان أسري يرعى عجزه وطراوة عوده، وفي استدراج الشيخ وما تتطلَّبه شيخوخته من احترام وتوقير يحفظان حاجاته الإنسانية وكرامته الآدمية، وفي استدراج المريض وما يستدعيه من عناية واهتمام يرحم ضعفه وهشاشة بدنه، إلى آخر ما في هذه المذاهب والمسالك الاستدراجية، من دلالات الشفقة التي تستجيب لهذا الضعف البيِّن، وتحنو على عجز الجميع، والرحمة التي شملت الصغير والكبير، ووسعت الإنسان والحيوان(1).
تحرير المصطلح بلاغياً
يعرِّف ضياء الدين بن الأثير، وهو من أوائل(2)
(1) ـ وهكذا تحتفظ اللغة العربية ـ لغة القرآن الكريم ـ بفطرتها الأولى، وتتجلى فيها الرحمة الواسعة في أصل معاملاتها، فتشير ـ بعيدا عما لحق بها من سوء فهم وتوجيه «مُسَيَّس» ـ في ملمح إعجازي عظيم إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، القرآن الكريم الأنبياء: 107.
(2) ـ يقول محيي الدين الدرويش: «قد شاء ضياء الدين بن الأثير الذي استخرج هذا الفن أن يغير على فضل الزمخشري، فنسفه برمته ونسبه إليه»، إعراب القرآن، دار اليمامة، بيروت، ط9 (1999) مج.4: 611.
والمتأمل في فصل الزمخشري يجده حقا يقول كل ما قاله ابن الأثير وزيادة، إلا أنه لم يجترح له اسم «الاستدراج»، فهو يتحدث عن حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وكيف أنه رتّب كلامه «في أحسن اتساق وساقه أرشق مساق، مع استعماله المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن، منتصِّحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا»، ويقول عنه أيضا: «ثم ثنّى بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا، فلم يَسِم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق»، (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، مط. البابي الحلبي، القاهرة، ط. الأخيرة، (1960، 510)، وليس الاستدراج كما سنرى إلا هذا الأسلوب الدعوي الراقي الذي أطنب الزمخشري في وصفه، فهو بحق ـ وإن لم يسمه باسمه ـ أول من انتبه إليه ونوَّه بفضيلته.