أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ١٠1 ـ أمَّا المعنى الأول لمفهوم المخادعة فهو اصطلاحي عُرفي، يفيد إظهار خلاف ما يخفيه الخادع، قصد إرادة المكروه بالمخدوع وختله(1)، وبذلك يكون هذا النوع من المخادعات استدراجا مغشوشًا فاسدا في وسائله لفساد مقاصده، يسلك مسلكا غير عادل ولا منصف ولا سويٍّ، لأنَّ الرحمة ـ وهي إحدى أبرز دلالات الاستدراج اللغوية ـ قد انتُزعت من مقوِّماته في هذا السياق، فهو في هذا السياق يتمحور حول ذلك الروغان البلاغي مما يمارسه رجال من ذوي الحنكة السياسيَّة، وأضرابهم الذين يصانعون عن أصول المسائل وجواهر الأمور، بنقل الحديث إلى حواشي براقة وهوامش خلاَّبة ليست من هموم الخصم في شيء(2)، ولا هي في حقيقة الأمر مما يُختلف فيها معه، وإنما هو تلطُّف ظاهري «للمعنى الحسن حتى تهجِّنه وللمعنى الهجين حتى تحسِّنه»(3)، وهذا من باب الحق الذي يراد به الباطل، كالحديث الذي جرى بين الحسين بن علي ومعاوية بن أبي سفيان في شأن ولده يزيد، فقد قال معاوية ردًّا على الحسين: «أمَّا أمُّك فاطمة فإنَّها خير من أمِّه، وبنتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير من امرأة من كلب، وأمَّا حِبِّي يزيد فإني لو أعطيت به مثلك ملء الغوطة لما رضيت، وأمَّا أبوك وأبوه فإنهما تحاكما إلى الله ورسوله فحُكم لأبيه على أبيك»(4).
(1) ـ ابن منظور، المصدر نفسه، مج.2: 98 ـ 799.
(2) ـ «الخصم» في هذا البحث بمعنى المقابل في الرأي، والمخالف له، والمغاير في النظرة، والآخر على أي مستوى كان، بغضِّ النظر عن العداوة من عدمها، أمَّا أمرُ استقامة رأيه من عدمه فيتحدد بسياق الحديث.
(3) ـ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري، كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر، تح. علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا (1986) 427.
(4) ـ ابن الأثير، المصدر نفسه، 264.