أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ١١يعقِّب ابن الأثير على هذه المراوغة الأدبية السياسية بقوله: «وهذا الكلام من معاوية كلَّما أمررته بفكري عجبتُ من سداده، فضلا عن بلاغته وفصاحته»(1)، ولقراءة هذا التعقيب قراءة متأنية تضعه في سياقه المناسب ينبغي التفريقُ بين جوانبه البلاغية وبين جوانبه الموضوعيَّة، فأمَّا بلاغته وفصاحتُه فذلك أقلُّ ما يمكن أن يوصف به كلام رجل من فصحاء قريش وبلغاء العرب، وواحدٌ ممن يعرف بالتحلُّم والملاينة إن لم يكن أكثرهم تحلُّما ودهاءً في السياسة، وأمَّا سداد كلامه فهي وجهة نظر لا أظنُّها تستقر على كفَّة عدل أو ميزان حقٍّ، فكلام معاوية هذا جميلٌ في مسالكه خُلَّب في مظاهره، ولكنه متهافتٌ في جوهره، ولا أدري كيف فات ابن الأثير أن يشير إلى ذلك التهافت الذي لا يقود حجاجه إلى مفصل المقصد من كلِّ حوار، لولا الولوع المتراكم بمسائل التنظير الخارجي، والإلحاح على الجوانب التقعيديَّة بعيدًا عن الحقائق الموضوعية، ما جعل الوسائط البلاغية تنفصل عن وظائفها الأخلاقية، فالعبرة كان ينبغي أن تظل دائما موصولة بمقاصد من يُنشئ الحديث وغايات من يبدأ الحوار، نشدانا لحقيقة يطلبها، أو انتصافا لقضية ينازع فيها، والحسين - رضي الله عنه - لم يكن في هذا السياق ينازع معاوية مفاضلة أُمٍّ على أُمٍّ، أو محبَّة والدٍ على محبَّة آخر، أو شيئا من ذلك ـ وإن كان كلُّ ذلك صحيح في حق الحسين - رضي الله عنه - ومفهومٌ من حقائق التاريخ وسياقات الأحوال ـ ولكن ما كان ينازعه فيه حقاً إنَّما هو المؤهلات الروحيَّة، وما في حكمها كالهجرة والجهاد، وغير ذلك من الاستحقاقات السابقة التي ترشِّحه لولاية المسلمين وقيادتهم، وهو مناطُ الحكم في هذه القضيَّة كما يقول الأصوليُّون ومدار الحديث وجوهره(2).
(1) ـ المصدر السابق، 465.
(2) - لو خطر على قلب ابن الأثير أن يبحث عن إنصاف معاوية لاستشهد له بمسلك حلم سياسي آخر كان قد استدرج فيه عبد الله بن الزبير في موقف يعدل ما كان يمكن أن يراق فيه من دماء معركة كادت أن تستحثَّها فورةُ شبابٍ متوثِّبِ العزيمة، فاستبعدتها حكمة الشيوخ ورؤيتها النافذة، إنه موقفه الاستدراجي الحليم الذي سوَّى به خلافا بينهما في شأن مزرعة بالمدينة، فقد كتب ابن الزبير إلى معاوية في دمشق يتوعده قائلا: «أمَّا بعد يا معاوية إن لم تمنع عبيدك من دخول أرضي وإلاَّ كان لي ولك شأن»!، فلما قرأ معاوية الرسالة قال لابنه يزيد: «ما ترى؟ فقال له يزيد: لتنفذن إليه جيشا أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال معاوية بل عندي يا بنيَّ خيرٌ من ذلك، وكتب إلى ابن الزبير: «وقفت على كتابك يا حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وساءني ما ساءك، والدنيا هيِّنة عندي في جنب رضاك، وقد كتبت على نفسي رقيما بالأرض والعبيد وأشهدت علي] ما [فيه، ولتضف الأرض إلى أرضك والعبيد إلى عبيدك والسلام»، فجاءه الجواب من ابن الزبير يقول فيه: «وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه فلا عدم الرأي الذي أحلَّه من قريش هذا المحل والسلام»، عباس محمود العقاد، العبقريات الإسلامية: معاوية ابن أبي سفيان، مج 4: 258 - 259.