مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

سبعُ سنبلاتٍ خُضْرٍ .. " أو فتنة غرداية مقاربةٌ من سورة يوسف - عليه السلام - محمد بن صالح ناصر

الجزء ١٢ · صفحة ٤

في سورة يوسف - عليه السلام - يحدِّد لنا القرآن الكريم السبب الرئيس في تألُّب إخوة يوسف التسعة ضدَّه من خلال قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 8، 9]. لا شيء من الأسباب الظاهرة المادية دفعت إخوة يوسف إلى الكيد له والانتقام منه سوى الحسد المتمكِّن من قلوبهم من أجل مكانة يوسف وأخيه بن يامين من قلب أبيهم يعقوب - عليه السلام -، ومن هنا فإنهم رأوا بأنَّ الوسيلة الوحيدة لشفاء غيظ قلوبهم منه ومن أخيه، إزالته من الوجود ليَخْلُ لهم وجه أبيهم، إذ لا يُعقل حسب رأيهم أن يميل إلى الاثنين ويترك التسعة وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، وهذا هو منطق الحساب المادِّي والنظر إلى الأمور من ناحية الكم لا الكيف.

*- المُقاربة:

في فتنة غرداية والقرارة اتضَّح ـ بما لا شكَّ فيه ـ بأنَّ الدافع الأساس إلى حبِّ الانتقام من الأنفس والممتلكات الخاصة، ديارًا، ومحلاَّت، وسيارات، هو الحسدُ الذي يأكل قلوب أولئك الأوباش الذين حُرموا من هذه النعم الدنيوية التي رأوها علامة على الترف والتنعُّم والاستمتاع بمتاع الدنيا. وإذا حرَّك الحسدُ القلوبَ والأنفس أشعل ما بها من حقد، ودفع الحقد بالتالي إلى الانتقام في لحظة قاتمة غاضبة دون تمييزٍ بين الضارِّ والنافع والبريء والمتَّهم، وتجاوز بها الشيطان وجنوده كلَّ حدود الشرع، والعقل، والقيم الإنسانية والمواطنة، ولا يقف عندئذ أمام رعونتها حدٌّ من الحدود الشرعية كانت أم قانونية.

٢٣٤ / ٤٤٩