مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

سبعُ سنبلاتٍ خُضْرٍ .. " أو فتنة غرداية مقاربةٌ من سورة يوسف - عليه السلام - محمد بن صالح ناصر

الجزء ١٢ · صفحة ٩

وأحسب أنَّ القرآن عندما يورد هذا المبرِّر الذي لم يقع لأنَّه تبريرٌ كاذب من إخوة يوسف وتمثيلٌ مفتَعَل لا صلة له بالواقع أصلا، يفعل ذلك ليحذِّر المؤمنين من خطر الغفلة على القلوب، المراد به ـ على ما نحسب ـ الغفلة عن ذكر الله مطلقا في جميع الحالات، التي تعايش الإنسان في حياته اليومية العادية، أكان ذلك في علاقته مع ربه أم في علاقته مع غيره من أبناء مجتمعه.

*- المُقاربة:

ما من شكٍّ في أنَّ غفلتنا عن الله وذكره من الأسباب الرئيسة التي أشعلت نيران الفتنة بين الإخوة المسلمين المتساكنين في القرارة وغرداية، فإنَّ الغفلة عن ذكر الله تُبعِد الإنسان عن حدوده الشرعيَّة في علاقته بربه أولا، وعلاقته بإخوانه ثانيا، وعلاقته بنفسه ثالثا.

فلولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات المشار إليها ما أدَّت مباراةُ كرة القدم إلى أن تكون شرارة عمياء تُشعل الحريق المهول الذي سرعان ما امتدَّ من ميدان كرة القدم في القرارة إلى ساحات وميادين غرداية، وبريان وبنورة، وبني يزقن، ولولا الغفلة عن ذكر الله في جميع الحالات، ما اندفع أولئك الشباب الطائشون ملثَّمون وغير ملثَّمين إلى استخدام كلِّ وسائل التدمير والتخريب، والتقتيل والترهيب، فتُزهق الأرواحُ، ويُروَّع الأمواتُ والأحياءُ معًا، وتُنتَهكُ حُرماتُ المحصنات، ويتعدَّى على الآمنين في بيوتهم جهارًا ونهارًا.

الغفلة بمفهومها المادِّي هذه المرَّة هي التي أدَّت الآمنين في لحظة اغترار، أو ثقة بالنفس زائدة، إلى هذا الأمان الذي انقلب فجأة إلى إعصار مدمِّر، وطوفان جارف، وقد قيل قديما وحديثا: «الأمان بدعة»، وقيل في الحكمة السائرة: «يؤتى الحذِرُ من مأمنه»، والثقة بالنفس أحيانا تكون بلاهة وسذاجة، فهل تكون هذه الصفعات المؤلمة بمثابة تلك الصفعة التي تجعل المغشيَّ عليه يعود إلى صحوته؟ وهل نفتح أعيننا لنرى الأفق واضحا أمامنا؟

٢٣٩ / ٤٤٩