مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

سبعُ سنبلاتٍ خُضْرٍ .. " أو فتنة غرداية مقاربةٌ من سورة يوسف - عليه السلام - محمد بن صالح ناصر

الجزء ١٢ · صفحة ١٠

الحقيقة الرابعة: «الغضب يدفع إلى الجريمة، والشرارة تشعل الحريق»:


أشرنا في الحقيقة الأولى من قصة يوسف - عليه السلام - إلى أنَّ الحسد هو أمُّ المكائد، وأنَّ الحسد يورث الحقد، والحقد يُشعل الغضب، والغضب يدفع إلى الانتقام.

ففي هذه القصَّة القرآنية العظيمة إشارةٌ واضحة إلى أن إخوة يوسف سرعان ما دفعهم الحسدُ إلى حبِّ الانتقام منه بالقتل، حيث قال الله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 9]. فكما دفع الشيطان قابيل لحسده من أخيه إلى قتله، كذلك فعل هنا، حيث دفع إخوة يوسف في السعي إلى قتله وإزاحته من وجودهم ليخلوَ لهم وجه أبيهم … ، ولكن الله أراد أن يكون في وسط نار الغضب وشعلة حبِّ الانتقام من يفكِّر بهدوء وبصيرة وراحة بال رغم ذلك، وكأنه يريد أن يقول لنا بأنه يوجد في الجماعة الضالَّة دومًا فردٌ صالح، وعقلٌ هادئٌ مستنير، قد يكون سببًا لرجوع الجماعة كلِّها إلى جادَّة الصواب، والطريق الصحيح، وقد يكون هذا الفرد الصالح بمثابة القطرات من الماء التي تخمد النار المشتعلة في القلوب، قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: 10].

وتردَّد الموقف نفسُه من «كبيرهم» الذي أبى أن يغادر «مصر» دون الرجوع بـ «بن يامين» أخ يوسف، لأنه أخذ موثقا من أبيه يعقوب على ألاَّ يعود إلى مصر بدونه، ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: 80].

*- المقاربة:

٢٤٠ / ٤٤٩