المقام الثالث من كتاب زعيم الأمَّة الميزابيَّة إلى صقر الكنانة محمد بن أحمد جهلان
الجزء ١٤ · صفحة ٦سيِّدي الشيخ: اسمح لي أن أقول لك في هذا المقام كلماتٍ ما جرت على لساني قَطُّ، ولا خطَّها قلمي قبلُ، أستجيزها لنفسي اليوم، لِما لي عليك من الدالة(1) ولِما أعرف فيك من صفاء النيَّة وسلامة الطويَّة. ثلاثون عامًا قضيتُها في كفاح مستمرٍّ في ميدان العلم والدين والسياسة والاجتماع، أصِلُ فيها الليل بالنهار، وأبيتُ على الطوى أو على الخبز القِفَار، وقد تفتَّحت ليَ الدنيا وتبدَّت لي في زينتها وفتنتها، ودُعيت إليها من كلِّ جهة وبكُلِّ لسان، وعندي لها استعدادٌ تامٌّ كاملٌ، فعزفتُ عنها وزهدتُ فيها وأعرضتُ عنها، وكأنِّي والله في ذلك غير مُختارٍ بل أُدفع إليه دفعًا قويًّا بقوَّة خفيَّة جبَّارة لا أستطيع لها حدًّا إلاَّ أنَّني أحسُّ بأنِّي مُلِئتُ إيمانا من مفرقي إلى قدمي، فإنِّني خُلقت لإنقاذ أمَّتي، وإنِّي إذا خرجتُ إلى الدنيا والعمل لنفسي عاقبني الله عقابًا شديدًا فاطمأنَّت نفسي إلى عملي، وكنتُ أجدُ في الكفاح مهما اشتدَّ وقسا غبطةً ولذَّة وسرورًا، ولطف الله بي فأراني من كرامات الإخلاص ما لا أستطيعُ له حدًّا ولا حصرًا، وما لا أزال أذكرُه، فأشكرُه فيضاعف وثوقي ويزيد إيماني. كنتُ أرى النتائج أكبر من الأعمال بما لا يخطر على بال، وكنتُ أرى عقباتِ الطريق تندكُّ وحُفَره تسوَّى، فلا أقتربُ من عقبةٍ كدتُ اندهشُ لها حتَّى أجدها دكّا(2) ولا أقترب من حفرة كاد القلب ينهلع(3) لها حتَّى أجدها مسوَّاة.
(1) - لَهُ عَلَيَّ دَالَّةٌ: أي مَنْزِلَةٌ وفَضْلٌ، والدَّالَّةُ: ما تُدِلٌ به عَلَى حميمِك وصديقك، والدالة: الجُرْأَةُ، ما تتجرَّأ به على صديقك الحميم بسبب مكانتك عنده. (محمد جهلان)
(2) - دكًّا: مُسوَّاة بالأرض، والأرض المستوية: دَكَّاءُ، ودكَّ البناءَ هدمه وسواه بالأرض. (محمد جهلان)
(3) - كذا، ولعل الصواب: «يهلع»، أو «ينخلع»، انخلع فؤاده: داخله الفزع، خاف وارتعب. (محمد جهلان)