المقام الثالث من كتاب زعيم الأمَّة الميزابيَّة إلى صقر الكنانة محمد بن أحمد جهلان
الجزء ١٤ · صفحة ٧حتى ارتاضت نفسي فأصبحتُ لا أخافُ شيئًا أبدًا إذا اعتزمتُ وأخلصتُ. وكنتُ أحدِّث إخواني وتلاميذي بالعَجَب الغريب من هذه الألطاف الربَّانية حتَّى أقوِّيَ فيهم روح الإخلاص والثقة بالله والتوكُّل عليه، وقد نجحتُ إلى حدٍّ بعيد والحمد لله. أبعد هذا الذي بلوته من أثر الإخلاص في هذا الزمن الطويل حتَّى أصبح طبيعة لي لا أستطيعُ التخلُّص منها أنبُذُ الإخلاصَ وأطرَحُه؟ أبعد أن شاب فؤادي وأتيتُ على الخمسين قضيتُها كلُّها في العمل لله وللمصلحة العامَّة أصبحُ مُستَخِفًّا بالأمَّة غيرَ مكترثٍ للمصلحة العامَّة؟ لا أظنُّك واجدًا من إخوانك من ضحَّى بعُمره كلِّه في سبيل أمَّته غيرك مثل الكاتب والشيخ أبي اليقظان، أمَّا بقيَّة الإخوان فما منهم إلاَّ من خرج للعمل والكسب، وإن كانوا كلُّهم للإصلاح سواعدَ وأعضادًا، وقوادمَ وخوافي، ما نَسَوا أمَّتهم في عملهم، حفظ الله الجميع.
إنَّ أخاك هذا قد حارب آباءَه وعشيرته وعمومته وخؤولته وشاقَّهم في سبيل الحقِّ وما طرَّ شاربُه(1)، وكان بدعًا من أترابه ولِدَاتِه(2) في ذلك، في وقت كانت العنصريَّةُ فيه أغلبَ على النفوس، وما رأى لنفسه ولا لقومه الذين ظلموا حظًا. فلمَّا أقام للعدل قِسطَاسَهُ وقوَّم للحقِّ قناته يُصبح أنانيًّا يقدِّم حظَّ نفسه، أو عنصريًّا يتعصَّب في الباطل لقومه؟
(1) - طَرَّ: نبَتَ، طرَّ شاربُ الولد: نَبَتَ شَعرُه. (محمد جهلان)
(2) - التُّرْب (بالضم والكسر): المماثل في السِّن ذكرا كان أم أنثى، واللِّدَةُ: التِّرْبُ، وهو الذي وُلِدَ يومَ ميلادك. (محمد جهلان)