المقام الثالث من كتاب زعيم الأمَّة الميزابيَّة إلى صقر الكنانة محمد بن أحمد جهلان
الجزء ١٤ · صفحة ٨سيِّدي الشيخ: ثلاثين عامًا، أي وربِّي، ثلاثين عامًا كاملة غير منقوصة قضيتُها في مكافحة الاستعمار الغاشم في عقر داره، وأنا بين مَخالِبه وأنيابه، أقاوم جبروت أفظع حُكمٍ عرفه تاريخ الإنسان، وأنا تحت سلطانه وبين ماضغَيه، ما رمَيتُه بسهمٍ من بلدٍ قَصِيٍّ ولا قاتلتُه في قرية محصَّنة أومن وراء جُدُر. أقمتُ بين ظهراني أمَّتي أبعثُ فيها الحياة وأشيعُ النور، وأدفع بها دفعًا نحو المثُل العليا، وأذود عنها الأعداء وأدفع عنها العوادي(1)، وأضع الحجُب وأحوكُ الأستار لأُخفِيَ حركتها عن الأنظار، حتى إذا نَمَت عينٌ أو وشِيَ لسانٌ لجأتُ إلى التأويل، وانتحلتُ الأعذار، وأرخيتُ الشعرة، وداورتُ العاصفة وداريتُها، ثمَّ أمشي قُدُما في سبيلي، لا أعرف توقُّفا ولا سكونًا، كذلك أصنع طوال هذه المدَّة، حتَّى رأيتَ من الأثر ما رأيتَ وما أقلَّه، وشهدتَ له وباركتَه. ثلاثون عامًا مضت منذ بدأت اتِّصالاتي بالحكَّام لا أُفتَن في كلِّ عام منها مرَّة أو مرَّتين بل المرار العديدة، فما وُلِّي حاكمٌ في الإدارة العُليا لهذه المناطق ولا إدارة غرداية خاصَّة طوال هذه المدَّة إلاَّ كانت لي معه مقابلات فيها، ومناقشات ومجاملات وتهديدات، واتّهام ودفاع، يُحَلُّ بعضها في مكاتبهم، ويُرفَع البعضُ إلى المراجع العليا في الجزائر، وأحيانا إلى باريس، فأضطرُّ إلى الدفاع هناك، وما منهم إلاَّ مَن قدَّم تقارير سوداء ضدِّي فكُدِّست رُزَمًا فوق رُزَمٍ في مكاتب الولاية، وما زالت وما زالوا حتَّى ساعة كتابة هذه الأسطر. والله الذي لا ربَّ غيرُه ما نالوا منِّي شيئًا بفضل الله ولُطفِه، ولقد نلتُ منهم لأمَّتي الشيء الكثير. وإنَّهم ليرَونني أخطر شخصٍ على نفوذ فرنسا في هذه الديار، وينعتونني «بالمهيِّج الخطير».
(1) - العوادي: الظلمُ والشرُّ، وعوادي الزمن: نوائبه ومصائبه. (محمد جهلان)