مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ١٨

هذا نموذج قرآني حيٌّ، يرسم صورة من صور التأبِّي الغريبة ومشهدًا من مشاهد التعنُّت الشديد، يحدو بأصحابه إلى مسلك هزليٍّ ساخرٍ عجيبٍ يرفض حتى مجرَّد الاستماع لما يُلقى إليه من هدي وبيان، فلا يجد قوم نوح عليه السلام من وسيلة تسعفهم للتعبير عن ذلك الرفض المسبق إلاَّ أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم، مبالغة من هذه النفوس المتأبِّية في إظهار النفور، ولقد جاء التعبير بالأصابع ويراد به الأنامل على طريقة المجاز المرسل لعلاقة البعضية إظهاراً لحرص هؤلاء على «سدِّ المسامع بحيث لو أمكن لأدخلوا الأصابع كلها»(1)، وقد جعلوا ثيابهم غشاءً يغطون به عيونهم حتى لا يروا سيدنا نوح - عليه السلام -، إمعانا منهم في التعبير عن كراهيتهم لكلامه، وفي ذلك ملمح نفسي دقيق يشير بوضوح ارتباك القوم ومخافتهم من أن يؤثِّر فيهم هذا الكلام الجديد ولو بمجرَّد النظر في ملامح وجه هذا الرسول الكريم التي قد تشدُّ بقدسية أنوارها وصدق تعابيرها انتباه بعض النفوس التي لم تفقد بعدُ فطرتها(2).

(1) ـ محمد الطاهر ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، الدار التونسية (1984) ج. 29: 195.

(2) ـ هذا هو ديدن المتأبين والمعاندين في كل زمان ومكان ومع كل دعوة حقٍّ تهدد مألوفهم، فقد حكى القرآن الكريم قول أئمة الكفر من قريش لأتباعهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، القرآن الكريم، فصلت: 26.

٢٩ / ٤٤٩