مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش وجهوده الإصلاحية معمَّر بن العربي شعشوع

الجزء ١٥ · صفحة ١٢

لكن حين ضعفت الأمَّة الإسلامية وذبلت حضارتها، أصبحت أكلة سائغة بين أنياب الأعداء يتربصون بها، فآلت إلى الانحطاط والهمجية. والأخطر من هذا يرى الشيخ أبو إسحاق أنَّ الجهل تفشَّى في المجتمع الجزائري على وجه الخصوص، حيث كثر السذاج من المرابطين وأصحاب الطرق الصوفية الذين يدَّعون أنهم يدافعون عن الدين، لكنهم في حقيقة الأمر يستغلُّون عقول البسطاء وعامَّة الناس لتحقيق امتيازات ومنافع مادية من السلطات الاستعمارية الفرنسيَّة، وذكر الشيخ أنَّ أحد دعاة التخلُّف من هؤلاء المرابطين تحفَّظ على ذكر اسمه نشر رسالة بين عامَّة الناس، ضمَّ فيها مجموعة من الأقوال الباطلة، مزج فيها بين الحق والباطل، والغثِّ والسمين، كمحتطب في الليل(1) … وتتلخَّص هذه الأقوال والأفكار الباطلة في ذمِّ العلوم الفلسفيَّة مطلقا، والعلوم العصرية، والأسلوب العصري في التعليم، والحكم على رجال النهضة والإصلاح بالضلال … الخ.

ولاشك أن الشيخ أبا إسحاق وجد معارضة شديدة من خصومه المعارضين لدعوته ومنهجه الإصلاحيِّ، حيث انتقد هؤلاء واعتبرهم عقبة في تقدم المجتمع الجزائري، وسبب التخلف الذي آل إليه بنو جلدته من بني ميزاب بغرداية، وأصيب المجتمع بأمراض الجمود والخمول. لهذا اضطرَّ إلى مغادرة مسقط رأسه متجها إلى العاصمة في مرحلة مبكرة، حيث تلقى مختلف العلوم العصرية على رجال العلم والإصلاح، وعلى رأسهم الشيخ عبد القادر المجَّاوي أحد المتأثرين بمدرسة الشيخ محمد عبده.

وبعد سنوات قليلة من مكوثه بالعاصمة انتقل إلى تونس عام1336هـ (1917)، وحمل معه بذرة الفكر الإصلاحي من الجزائر، وينضج فكره ويتعمَّق أكثر بجامع الزيتونة، حيث درس على يد ثلة من العلماء الذين لهم باع طويل في العلوم النقلية والعقلية كالشيخ طاهر بن عاشور والشيخ النخلي.

(1) - نفس الصدر السابق، ص9.

٢٩٣ / ٤٤٩