أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي
الجزء ٣ · صفحة ٢٣ثم نلاحظ في هذا السياق الاستدراجي الذي يلامس القلوب ولا يُنفِّرها، ويمتلك المشاعر ولا يستثيرها، أنَّ نوحاً - عليه السلام - عندما ذكر العماية التي تحول بين النفس الجموحة وبين رؤية الحق آثر بناء الفعل للمجهول: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾(1)، ولم يشأ أن ينسب العماية إليهم مباشرة، وهو ما حقَّق له موضوعية الخطاب في أرقى صورها، ثم إنه بدا وكأنما يلتمس لهم بذلك بعض المعاذير بأنَّ ما كان يمنعهم إنما هو مجموعة الظروف المحيطة التي ـ وإن جاز للداعية أن يتفهَّمها ـ لا تبرر لهم هذا الخمول العقلي الذي يسند ركونهم إلى مألوف غير راشد. ثم يشير سيدنا نوح - عليه السلام - في إعجاز بياني رائع إلى ضرورة التفرقة بين سلوك منهج الاستدراج فيما لا يمسُّ ثوابت القضيَّة وأصول الأخلاق في حدِّ ذاتها وبين التزام الداعية إياه فيما لو جرى فيه بعيدًا لنال من بعض هذه الأصول والثوابت، وحتى يقطع أيَّ أمل قد يداعب كبرياء قومه في إمكانية تعاونه معهم في طرد من وسموهم بـ «الأراذل» سارع إلى توضيح موقفه الأخلاقي الثابت من أتباعه المؤمنين: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويسم قومه بالجهل الذي هو في هذا السياق ظلمٌ ناشئٌ عن تهوُّرهم واندفاعهم في الحكم على قناعات غيرهم والحجر على حرياتهم(2).
(1) ـ في رواية قالون ﴿فَعَمِيَتْ﴾، بالبناء للمعلوم، وفي كلتا الروايتين لم ينسب العماية إلى نفوسهم وإنما نسبه إلى شيء خارجي.
(2) - الجهل لغة هو الغليان الذي يجعل المياه تتقلب وتفور، فيندفع ما كان ساكنا في قاع القدر متوثبا في حركة سريعة وغير منضبطة، ثم استعير اسماً لكل سلوك متهور، ثم نقل على وجه أخص للتعبير عن غياب الحقيقة المعلوماتية التي لو تريث المعني بإدراكها وأعمل فكره قليلا بعيدا عن عواطفه وأحكامه المسبقة لأدركه، ثم توسع فيه حتى صار نقيضا للعلم بمفهومه الواسع، انظر: شرح كتاب الحماسة لأبي القاسم زيد بن علي الفارسي، تح .. محمد عثمان علي، دار الأوزاعي، بيروت، ج.3 (1982)، ولمزيد من التفصيل انظر أيضا:
The Structure of the Ethical Terms in the Quran، by Izutsue، Tokyo،1959.