مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

نماذج من أسفار الشيخ عدُّون ورحلاته عمر بن حمو لقمان سليمان بوعصبانة

الجزء ١٧ · صفحة ٥

سيسافر الحاجُّ مودِّعا أهله ووطنه لمدَّة طويلة فوق سفينة تتقاذفها الأمواج، وعادة ما يكون ذلك لأوَّل مرَّة في حياته، لقلة فرص تكرار الحجِّ، فينتابه الخوف من زرقة السماء وزرقة البحر الذي قيل عنه: «الداخل فيه مفقود، والخارج منه مولود، والناس فيه دود على عود». وإذا أضفنا إلى ذلك ما قيل عن استغلال صاحب امتياز شركة النقل إذ زاد في سعر التذاكر، وضاعف من عدد المسافرين لزادنا الخبر تصوُّرا أوضح للمعاناة.

لقد نشر الشيخ عدُّون مقالا في جريدة «الأمة» اليقظانية بعنوان: «إلى م العبث بكرامة وفد الله؟!»، يقول فيه: «إنَّ الحجَّ ركنٌ من أعظم أركان الدين الإسلامي، وفريضة يقدِّسها المسلمون أكثر مما يقدِّسون سائر الفرائض، لأجل القيام بهذه الفريضة المقدَّسة يفارقون أوطانهم وأهاليهم، ويصرفون أوقاتا طويلة عزيزة، وينفقون آلافا مؤلفة، ويقطعون آلاف الأميال»(1). لقد عانى هؤلاء الحجاج من ضيق السفينة التي كان من المفروض أن تحمل 1300 راكب فحملت 2682. وحيث إن الحجَّاج مع ذلك حُرموا من تأدية مناسك حجهم، وذلك ما يُفهم من الفقرة التالية إذ يقول متحسِّرا: «ولكن المصيبة التي لا تهون، والخسارة التي لا تُعوّض، والجرح الذي لا يندمل، واللوعة التي لا تنطفئ هي هذا الحرمان القاسي، وهذا الانقلاب الخائب، وستبقى هذه الحادثة سبَّة الدهر، يتحمَّل عارها من تسببوا فيها، ولعنة الأجيال تنصبُّ على هؤلاء القساة الذين لم يكفهم استنزاف الأموال، فتجاوزوه إلى استنزاف الدموع. لكم الله أيها المتخلِّفون، فهو ملجأكم الوحيد الذي إليه تلتجئون، وركنكم الشديد الذي إليه تأوون، فهو الذي يأخذ بحقكم من الظلَمة، وينتصف منهم شر انتصاف، يوم يعضُّ الظالم على يديه، وإن للمظلوم دعوة لا ترد»(2) …

(1) - السنة الثالثة، العدد: 109، 28 ذو القعدة 1355هـ/ 9 فيفري 1937م.

(2) - المصدر نفسه.

٣٣٤ / ٤٤٩