مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ٢٤

هكذا يواصل سيدنا نوح - عليه السلام - استلطافه واستعطافه لقومه، ويبلغ في مخاطبتهم غايات بعيدة من الاستدراج الصادق، حتى إنَّه من أدبه وحرصه على هداهم لَمَّا أراد تخطئتهم فيما ذهبوا إليه من تقييم لأتباعه عبَّر عن ذلك باستعمال قياس الأولى، فقال: «يا قوم من ينصرني إن طردتهم … ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين»، لقد أكَّد الجملة التي تنسب إليه الظلم بـ أنّ المؤكدة وحرف الجزاء ولام الابتداء، وتُرجع النظر مرَّة بعد أخرى في هذا الأسلوب الرباني من حوار سيدنا نوح - عليه السلام - فلا تجد فيه كلمة تنبو عن ذوق القوم، بله الذوق العام، أو كلمة تجرح المشاعر أو تستفزُّ الكبرياء أو تحيد عن العلمية والموضوعية بمفهومها الراقي الأصيل. وعلى الرغم من لجاجة القوم وتماديهم فإن نوحاً - عليه السلام - لم يخطر له ببال أن يرى في الأمر ما يدعوه إلى الحديث عن «عزَّة» الدين مثلا أو «كرامة» الرسل ـ ولا أكرم منهم في دنيا البشرـ، أو مواقف الثقة بالنفس، أو الحق الذي عنده وحده ـ وكلُّ ذلك عنده حقا وحقيقة ـ ولكنها الرحمة والبحث المخلص عن سبل هداية البشر بفتح القلوب وكسبها.

٣٥ / ٤٤٩