مجلة الحياة، العدد 18 مجلة الحياة

أسلوب الاستدراج الدعوي عمر علي التندميرتي

الجزء ٣ · صفحة ٢٦

هذا أسلوب استدراجيٌّ يزاوج مزاوجة لطيفة بين منطق الحكمة وحسن الموعظة، تأمَّل هذا الاحتراس الذكي في قول الرجل المؤمن في شأن موسى - عليه السلام -: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، فهو يخاطب خصومًا ألِدَّاء أخذتهم اللدادة إلى أن يتجاوزوا حدود الحوار وألاَّ يقفوا عند حقِّهم في القبول أو الرفض، وإنَّما أخذتهم عزَّة فرعونية جعلتهم يفقدون كلَّ وسيلة غير القتل، فسلك معهم مسلك اللطف والرَّوية حتى يخفف من هذا الغرور الذي اعتراهم ويحدَّ من هذا الإعراض الجارف الذي تمكَّن من نفوسهم، علَّه ينال منهم بعض التفاتة، وقد أراهم الحدود الموضوعية للحوار، والتزم معهم الحياد الكامل في الحكم بينهم وبين خصمهم الذي لم يُبعد عنه ـ من حيث الظاهر ـ احتمال تهمة الكذب إبعادا كاملا، ثم تأمّل قوله وقد أحس منهم شيئا من الانعطاف: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، فقوله هذا الذي ساقه في أسلوب الشرط الاحتماليِّ لم يمنعه من مراعاة نفسيَّة المخاطبين، فخفَّف من وطأة التهديد بالعذاب الذي قد ينتج عن صدق الرجل (موسى - عليه السلام -)، وهو العذاب الأليم الذي يعدهم به، فقال: ﴿يَعِدُكُمْ﴾، وهو على يقين تام من صدق وعد الله ووعيده الذي سوف يتحقَّق كما أنذرهم به موسى - عليه السلام - عاجلا أم آجلا كاملا غير منقوص(1).

(1) ـ انظر الزمخشري، المصدر نفسه، ج.3: 423.

٣٧ / ٤٤٩